ونقضه أيضًا في مقدمة كتاب (عبقرية خالد) حين ذكر أن مكة كانت وسطًا بين الحاضر والبادية.
وينقض كلامَه التاريخُ والواقعُ؛ إذ كانت جموع من المرتدين من أهل العراق، وهم أهل ريف وزرع وكثير منهم عرف المدنية كما أقر هو في مقدمة الكتاب (عبقرية خالد) .
وهذا التصور ـ صراع بين الحضر والبادية ـ قائم في ذهنه وهو يتناول أحداث السيرة كلها تقريبًا، فبه يفسر كثيرًا من الأحداث؛ مثلًا تجده يتكلم عن نقمة البادية على قريش، وعن نظرة قريش العلوية لأهل الباديةِ والسوادِ، ما أدى إلى تمرد البدو وحدوث الفتنة التي انتهت بمقتل عثمان رضي الله عنه وكثير من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك [1] .
وحين تكلم عن الفتوحات الإسلامية تكلم عن (الفتوحات العربية) لا (الإسلامية) . وقد تقدم تفصيل هذا!!
والأحداث في القرون الأولى لم يكن غير العقيدة محركًا لها، فكان الخلاف الأول على الخلافة، وهي قضية عقدية لا قبلية ولا عنصرية (عرب وعجم أو عبيد وأحرار) ، والخوارج لم تكن دعوتهم قبلية أو تستبطن القبلية، فقد كانوا من قبائل شتى، وكانوا من العرب وكانوا من العجم (الأمازيغ ـ البربر تحديدًا) [2] ، وهكذا، فقول العقاد بعيد جد بعيد، وهو قول المستشرقين تسرب إليه. وإن شاء الله ألقي مزيد بيان على هذا الأمر.
وقد غضضت الطرف ـ طلبًا للاختصار ـ عن كلام العقاد على معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ـ رضي الله عنهما ـ، وفيه ما فيه من سوء الأدب مع صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو مشهور كلما تكلم أحدهم عن حال العقاد مع صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاء على قوله في معاوية وعمرو ـ رضي الله عنهما ـ؛ تركته لشهرته ولأقول بأن الأمر لم يكن مع علي ومعاوية فقط وإنما مع الجميع .. كان تصورًا عامًّا عند عباس العقاد عن الصحابة رضوان الله عليهم.
نموذج توضيحي: خالد بن الوليد رضي الله عنه:
(1) ذكر ذلك في عبقرية علي، وهو ينقد هذا القول في تحليله للأحداث في (عثمان ذو النورين) ؛ إذ إنه هناك يهون من أمر الفتنة ويذكر أنها حالة شغب صغيرة من الدهماء جرأهم سهولة الشكوى وسرعة الاستجابة لها من قبل الخليفة، وسهل مهمتهم أن لم تكن حراسة عند الخليفة تمنعهم، ولم تكن ثورة يتمرد فيها الشعب أو عامة الرعية على الحاكم سخطًا.
(2) أحداث الخوارج في المغرب الأوسط (الجزائر) في بداية القرن الثاني الهجري مشهورة جدًّا، وكان من قادتهم هناك في المغرب الأوسط (الجزائر) حفيد رستم القائد الفارسي، فلم تكن أبدًا دعوى قبلية.