عرف سياسة الأوامر المغلقة، ويضرب مثلًا بـ (سرية عبد الله بن جحش) إلى بطن نخلة، وكتمان الخبر على من حوله من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
بل والنبي - صلى الله عليه وسلم - (عبقري) كغاندي الهندي .. عابد البقرة!! فإن كان غاندي الهندي عابد البقرة قد استعمل المقاومة السلبية المخزية فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما يقول العقاد ـ استعملها يوم الحديبية!!
ولا أدري أي سلبية كانت يوم الحديبية؟!!
أي سلبية وقد خرج يريد بلد عدوه وقد وتَرَهُمْ في سادتهم وأشرافهم؟!! حتى ظن المنافقون (وهم يومها كالعقلانيين اليوم) [1] أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدًا؟!
أي سلبية كانت وقد بايع أصحابه تحت الشجرة على الموت؟!!
أي سلبية وهو يشرط لنفسه أن يعود إليهم بعد عام ويقيم بديارهم ثلاثة أيام، وقد عاد وأقام بدارهم ونكح من نسائهم [2] ؟!!
أي سلبية وقد استغل الصلح للتفرغ لمن حوله من اليهود والأعراب [3] ، بل والخروج للروم ذات القرون وقد تترست بمئات الألوف من العرب والعجم؟!
أي سلبية وهو الذي دعا الدنيا كلها لما هو عليه، ولم يكن يعني هذا سوى إعلان الحرب على الدنيا كلها يومها، وأصحابه حين يصطفون للقتال بضع مئات؟!!
يحسب العقاد أن استجابة النبي - صلى الله عليه وسلم - لشروط قريش والرجوع من أمامهم يوم الحديبية نوع من السلبية في المقاومة .. كأنه رضي بالهزيمة استجاشة لعطف الكافرين من قريش، أو مَن يسمع برجوع المسلمين من الحديبية وقد خرجوا آمِّين البيت الحرام. وهذا خطأ محض.
كانت الحديبية كلها بتدبير الله عز وجل، بركت الناقة قبل أن يحدث أي شيء، وصرح الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأن حابس الفيل قد حبسها، والحديث في الصحيح: وَسَارَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى إِذَا كَانَ
(1) انظر للكاتب: (ارتباط النفاق بالعقلانية والإصلاح) بالصفحة الخاصة في صيد الفوائد.
(2) تزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - السيدة ميمونة بن الحارث العامرية في عمرة القضاء، وأقام عرسًا بمكة. سيرة ابن هشام ص 272، وزاد المعاد (3/ 228) .
(3) شهدت فترة ما بعد الحديبية نشاطًا عسكريًّا أكثر من غيرها؛ ففيها كان فتح خيبر وغزوة مؤتة وعدد من السرايا والبعوث في غطفان ومن حول المدينة من الأعراب.