يعدها ليسوي بها كما يقول النعمانُ بن بشير [1] ، ولا يرضى فقط أن يبرز صدر أحدهم من الصف [2] .
وكان عمرُ يمشي كمشية الحبيب - صلى الله عليه وسلم - [3] ، ويعاقبُ من يعتدي على الطريق .. يحفظُ للطريق حقَّه كما أوصى الحبيب - صلى الله عليه وسلم -، ويعطي للمستحقين من بيت المال كما أمرت الشريعةُ وكما فعل أبو بكر وفعل عثمانُ، ويزهدُ في الدنيا فلا ينفق على مطعمه ومشربه، ودائمُ الفكر والمراقبة لله فلا يمزح إلا قليلًا [4] . والعقاد يجعلها كلَّها من عند عمر ـ رضي الله عنه ـ .. جاءته من صفة الجندية التي طبع عليها، وليست من تعليمٍ تعلمه؛ يقول: (ذلك هو السمت العسكري بالفطرة التي فطر عليها، وليس هو السمت العسكري بالأسوة والتعليم) [5] !!
حتى أدبُ السيدةِ عائشةَ ـ رضي الله عنها ـ أم المؤمنين حين تركت التفضُّلَ في ثيابها بعد وفاة أمير المؤمنينَ عمر ـ رضي الله عنه ـ ودفنه بجوار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر رضي الله عنه، يفسره العقَّادُ بأنه من مهابتها لعمر .. خافته بعد أن مات وهو في قبره [6] !!
إيهٍ يا عقاد!! لن ينفعك، ولم ينفعك.
كان عمرُ عبدًا لله، متبعًا لرسوله محمدٍ بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم -.
واجلس يا عقّادُ في الظلام حيث شئتَ، وقل ما شئتَ، فيومًا نأتيك ونوقد المصباح عليك ومَن يجلس حواليك، حتى يعرف المخدوعُ أن عقلكَ شرودٌ ولسانكَ كذوبٌ.
الفروسية ـ مفتاحُ شخصية علي رضي الله عنه ـ بزعم العقاد ـ (هي التي كانت تمنعه أن يعملَ
(1) هو أبو عبد الله النعمان بن بشير بن سعد الخزرجي، ولد بعد الهجرة بعامين، عرف بالكرم= =والشعر والشجاعة، تولى الإمارة لمعاوية ويزيد، ثم بايع ابن الزبير، وخدعه عبيد الله بن زياد حتى قتل بعد معركة (مرج راهط) سنة 64 هجرية، وأبوه ممن بايع العقبة الثانية وشهد المشاهد كلها، وكان أول من بايع أبا بكر يوم السقيفة، وقتل في عين التمر بالعراق في السنة الثانية عشرة من الهجرة. انظر: أسد الغابة (1/ 122) ، والاستيعاب (1/ 473) .
(2) حديث النعمان عند مسلم برقم 660، والأحاديث في هذا الباب كثيرة مشهورة.
(3) عند أحمد برقم 8948: (مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -؛ كَأَنَّ الشَّمْسَ تَجْرِي فِي وَجْهِهِ، وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَسْرَعَ فِي مَشْيِهِ مِنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -؛ كَأَنَّمَا الأَرْضُ تُطْوَى لَهُ، إِنَّا لَنُجْهِدُ أَنْفُسَنَا وَإِنَّهُ لَغَيْرُ مُكْتَرِثٍ) - صلى الله عليه وسلم -.
(4) العقاد يثبت لعمر الجندية المطلقة، وفي مكان آخر (في عبقرية عمر وعبقرية خالد حال المقارنة بينهما) يثبت أنه كان لعمر دعابة. وهذا صحيح، وفيه دليل على تضارب العقاد. ويستدل العقاد على جندية عمر بشرب عمر للخمر في الجاهلية، وكان أهل الجاهلية كلهم إلا قليلًا جدًا يشربون الخمر. ولكن العقاد ينسى.
(5) عبقرية عمر من الموسوعة الإسلامية ص 363.
(6) عبقرية عمر ص 321.