يشكل على بعضهم أنه إذا كان الأمر كذلك، فلماذا لم يتساوَ الجميع أو يرتبوا على حسب إيمانهم، هل برز خالد وأبو عبيدة وقتيبة الباهلي كونهم أكثرهم إيمانًا؟!
نقول: ليس الأمر كذلك، فالله سبحانه وتعالى خصَّ بعض الأفراد ببعض الصفات، وفتح على بعضهم من أبواب دون أبواب، فهذا حَبَّبَ إليه الجهاد ورزقه بنية قوية وقوة في قلبه، وهذا حبب الله إليه طلب العلم وتعليمه، ورزقه عقلًا وعزيمة في الطلب، وهذا حبب الله إليه الإنفاق وأمده بالمال ... وهكذا.
والعقيدة تصل بالمرء إلى أقصى مستوى؛ بل تصيغه صياغة جديدة بحيث لا يقارن بمثله الذي لم يتأثر بالعقيدة بعد أو ما زال في المراحل الأولى من التفاعل مع مفاهيم الدين وتصوراته.
لا يقتصر الأمر فقط على صياغة الشخصية من جديد، بل أستطيع أن أقرر أن التزام الشرع يعطي قوة بدنية، ولهذا الأمر شواهد كثيرة منها هذا الحديث.
عند مسلم من حديث علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ أن فاطمة ـ رضي الله عنها ـ اشتكت ما تلقى من الرحى في يدها، وأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - سبي فانطلقت فلم تجده ولقيت عائشة فأخبرتها، فلما جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبرته عائشة بمجيء فاطمة إليها، فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - إلينا وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبنا نقوم فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «على مكانكما» ، فقعد بيننا حتى وجدت برد قدمه على صدري ثم قال: «أَلا أُعَلِّمُكُمَا خَيْرًا مِمَّا سَأَلْتُمَا؟! إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا أَنْ تُكَبِّرَا اللهَ أَرْبَعًا وَثَلاثِينَ، وَتُسَبِّحَاهُ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ، وَتَحْمَدَاهُ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ، فَهْوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ» [1] .
فاطمة ـ رضي الله عنها ـ تعمل بالرحى حتى أثرت في يدها، ويشهد لهذا ما جاء في سنن الترمذي عن علي رضي الله عنه: (شكت فاطمة إليَّ مَجَلَ يديْها) ، ويقال لليد: مَجَلَتْ إذا ثخنَ جلدها وتعجر وظهر فيها ما يشبه البتر من العمل بالأشياء الصلبة الخشنة. ففاطمة رضي الله عنها تشتكي من الجهد المبذول في بيتها وتريد خادمة تحمل عنها، ويكون الجواب وِرْدٌ من الأذكار (يحصل لها
(1) متفق عليه.