يهتم.
أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ عاش قريبًا من أربعين عامًا قبل البعثة نسيًا منسيًّا، ولولا الله ما اهتدى ولا صام ولا صلى، ولمات كما ماتت ألوف من قومه لا يسمع بهم أحد؛ والله يقول: {لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (46) } [النور: 46] ، والله يقول: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [النور: 21] ، والله يقول: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (2) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (4) } [الجمعة: 2 - 4] ، فكله من فضل الله علينا ابتداءً وسيرًا وختامًا، وفي الحديث: «وَاللَّهِ لَوْلا اللهُ مَا اهْتَدَيْنَا، وَلا تَصَدَّقْنَا وَلا صَلَّيْنَا» [1] .
قدَّم للحديث عن السيدة عائشة بنت الصديق ـ رضي الله عنهما ـ بحديثٍ طويلٍ يتكلم فيه عن حال المرأة في الجزيرة العربية قبل الإسلام، وخاصة النساء اللاتي في بيوت سادة العرب، يقول: كانت تستشار، واستشهد بحالتين تستشار كل منهما فقط في أمر زواجها، ينقل عن كتب الأدب، وعِلْمي أن ليس في كتب الأدب غير هاتين الحالتين [2] . ثم ينثني بعد ذلك على بيت أبي بكر الصديق في الجاهلية فيقول: بيتُ سيادةٍ متحضر، رجاله رقاق القلوب يهيمون بنسائهم، ونساؤهم حسناوات منعمات أو كما يقول هو واصفًا بيتَ أبي بكر ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ (ظرف الرجال وتدليل النساء) ، ويستدل بعبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الرحمن بن أبي بكر كان حازمًا لا مربًّا بعرسه ـ كما يصوره العقاد ـ طلَّق زوجته وحملها إلى أهلها حين رأى من نفسه شدةَ ميلٍ لها، والعقاد يعرف ذلك [3] .
ثم يبني على ذلك فيقول بأن هذه النشأة ـ في بيوت السيادة والشرف ـ جعلت لها شخصية قابلة للمشورة وللمشاركة في الأمور العامة، ويصورها بأنها كانت (سيدة المجتمع الأولى) ، فقد كانت للنبي - صلى الله عليه وسلم - (سفيرته الأولى لعالم النساء في عصره وفيما يليه من العصور، فكانت تحضره إذا
(1) البخاري برقم 3795.
(2) يسميهم جواد علي، صاحب (المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) الإخباريين، ولا يأخذ كلامهم كله، بل يقبل منه ويرفض، وقبوله ورفضه بهواه كالعقاد.
(3) مقدمة كتاب الصديقة بنت الصديق.