و (اليرموك) و (فتوحات العراق) و (وفتوحات الشام) .. (الفتوحات العربية) التي يتكلم عنها العقاد كانت في هذه القبائل .. فكانت خبرتهم القتالية على المسلمين وليست معهم .. كانوا يحاربون خالدًا والصحابة مع الفرس والروم، لا أنهم يحاربون مع الصحابة. فانظر كيف يقلب الحقائق!!
ويقول بأن قريشًا تعلمت علم العالمين في الحرب؛ إذ كانت تنتقل إلى العرب وينتقل العرب إليها، (فقلما غاب عنها علم عربي وصل إليه أبناء الحواضر والبوادي باجتهادهم واختبارهم، أو وصلوا إليه بالقدوة والسماع عن الأمم الأجنبية) [1] !!
والعقاد يكذب .. أو يسرح بعقل من يقرأ كما هي عادته .. قريش كانت ترحل إلى الأسواق تحمل البضائع على البعير والحمير تبحث عن رزقها، وينتقل العرب إليهم حجاجًا محرمين، ولم يكن الغساسنة ولا المناذرة ممن يأتي إلى مكة حاجًّا أو معتمرًا كونهم نصارى، وقريش كانت أمية لا تقرأ ولا تكتب، وما كان لها جيش نظامي، ولا قائد عام، فضلًا عن علم بالفنون العسكرية، وهكذا كنانة وقيس وأبناء عمومتهم من ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان [2] ، وإخوانهم في اللغة من أهل اليمن إلا ما دخل في حلف الفرس (اللخميين) والروم (الغساسنة) وأولئك كانوا حربًا على الإسلام وفيهم كانت الفتوحات كما قدمت.
كانت حروبهم أشبه ما تكون بحرب العصابات، وغزوة بدر دليل على ذلك؛ تدبر كيف تجمعت قريش للقتال يوم بدر ويوم أحد والأحزاب، وكيف سارت للقتال، وكيف كانت تنفق على المقاتلين، وكيف باشرت القتال؟!
وارجع إلى الوراء في التاريخ واستحضر أيامهم في الجاهلية [3] ، فلن تجد فنونَ قتالٍ جاءت لقريش من خارجها أو خرجت منها، وإنما العقاد سينمائي ينسج من خياله، يركب الكذب ويستخف بعقل من يقرأ.
تقدم الحديث عن (الوعي الكوني) ، وقلنا: إنه من تأليف عباس العقاد يخالف به المتكلمين في نشأة الأديان من الصالحين والفلاسفة الملحدين، يرى أنه هو الوسيلة التي تنشأ بها الديانة عند
(1) عبقرية خالد ص 15.
(2) أهل النسب على أن العرب عدنانية وقحطانية (مستعربة وعاربة) وبعضهم يخرج قضاعة من القحطانيين ويجعلها قسمًا مستقلًا. وقحطان اليوم هي مذحج بالأمس (فرع من قحطان الجد الكبير) .
(3) انظر: (نهاية الإرب في معرفة أنساب العرب) 1/ 146 عدَّ من أيامهم (حروبهم) في الجاهلية وشرحها. والكتاب موجود بالشاملة ومكتبة الوراق.