ويقول بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ربما بلغ برجل واحد في هذا الغرض ما لم تبلغه الدول بالفرق المنظمة، وبالمكاتب والدواوين، وبدر الأموال، ويضرب مثالًا بنعيم بن مسعود ـ رضي الله عنه [1] .
والعقاد يقف منفردًا كما هي عادته، فهو أول من قال: إن ما كان من نعيم بن مسعود هو بتدبير رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد راجعت ما لا يقل عن عشرين مصدرًا للسيرة والحديث والتفسير كلهم على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يزد على أن قال لنعيم بن مسعود كلمة واحدة: «إنما أنت رجل واحد؛ فخذِّل عنا ما استطعت» ، وما درى النبي - صلى الله عليه وسلم - بشيء بعد ذلك.
بل يصرحون بأن ذلك كان من تدبير الله عز وجل؛ يقول ابن القيم: (ثم إن الله - عز وجل - ـ وله الحمد ـ صنع أمرًا من عنده خذل به العدو وهزم به جموعهم وفلَّ به حدهم، فكان مما هيّأ من ذلك أن رجلًا من غطفان يقال له: نعيم بن مسعود بن عامر ... ) [2] . وابن هشام بعد سرد القصة يقول: (وخذَّل بينهم) [3] . ينسب الفعل لنعيم بن مسعود، والعقاد ينسب الفعل للرسول - صلى الله عليه وسلم -، وكأنه خطط له ودبر، وكأنه هو الذي جاء بنعيم بن مسعود وهو الذي رسم له الخطة وأعانه على تنفيذها، كل ذلك لأن الرجل لا يرى أثر الوحي.
وهو متردد كعادته؛ ففي مكانٍ آخر أسند الفعل إلى نعيم بن مسعود لا للرسول - صلى الله عليه وسلم -.
يسأل في بداية (عبقرية محمد) : من هو الرسول؟! ويجيب: (هو الذي له وازع من نفسه في الكبير والصغير مما يتعاطاه من معاملات الناس؛ لأن عمل الرسول الأول أن يقيم للناس وازعًا يأمرهم بالحسن وينهاهم عن القبيح ويقرر لهم حدودهم التي لا يتخطونها فيما بينهم) .
لاحظ: لا تسمع حسًّا للوحي في كلامه!!
ويتكلم عن البلاغ، ويأتي بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم عرفة: «اللهم هل بلغت؟! اللهم فاشهد» ، ويحور ويدور ليعطي البلاغ معنى غير الوحي .. غير البلاغ عن الله، يفسر البلاغ بالإبلاغ .. البلاغ عند العقاد أسلوب من أساليب التعبير يستطيع بها المتكلم أن يوصل المعنى من أقصر طريق وأوضحه!!
(1) عبقرية محمد ص 53، 55.
(2) زاد المعاد (3/ 240) .