فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 170

و يَسندُ عدلَ عمرَ إلى الوراثةِ لا للدينِ، ثم يذكرُ قصةَ عمرَ ـ رضيَ الله عنه ـ مع النصرانيِّ الذي لا يستطيعُ دفعَ الجزيةِ وكيفَ أنَّهُ رَحِمَهُ، ومع ابنِ الزنا اللقيطِ وقدْ فرضَ لهُ من بيتِ المالِ كما فرض لمن عُرفَ أبوهُ، ويَذكرُ رحمةَ عمرَ بالبهائمِ، ثم يقولُ معلقًا: (كانَ عمرُ يرحمُ في أمورٍ يحولُ فيها النفورُ الدينيُّ دونَ الرحمةِ عند كثيرين) . وكأنَّ الرحمةَ بالذميِّ وابنِ الزنا اللقيطِ فضلٌ من عندِ عمرَ لا يقومُ به المتدينونَ. ثم يعلقُ قائلًا: (علمته الرحمة كيف يطيع الدين) [1] !!

تدبر ماذا يقول عباس: الرحمةُ هي التي علمتْ عمرَ ـ رضيَ الله عنه ـ كيف يكونُ متدينًا!! والعكسُ هو الصحيحُ؛ فالدينُ هو الذي علَّمَ عمرَ الرحمةَ!

نعم لا يرى العقاد أثرًا للوحيِ في أخلاقِ عمرَ، ولا يرى أثرًا للوحي جعلَ عمرَ يؤمنُ بالنبيِ ?، بل يصرحُ العقادُ قائلًا: (كان عمر مستقيم الطبع مفطورًا على الإنصاف، فلم يكن رجل مثله ليستريح إلى فساد الجاهلية) [2] .

وعندَ العقادِ أنَّ عمرَ آمنَ بالنبيِ ?؛ لأنه كان معجبًا بهِ، (عمر كان يحب محمدًا حب إعجاب، ويؤمن به إيمان إعجاب) [3] !! تمامًا كالذي قالهُ وهو يتكلم عن الصديق!!

ولستُ بحاجةٍ إلى استحضارِ حالِ عمرَ بن الخطابِ ـ رضي الله عنه ـ في الجاهليةِ وهو يشربُ الخمرَ، ويعذبُ المؤمنينَ باللهِ المتبعينَ لرسولِ الله ?، فأينَ كانت هذه الصفاتُ؟! أين كانت الرحمةُ بالمخالفِ؟! وأين كان العدلُ؟!

كلُّ ذلك من فضلِ اللهِ على عمر رضي الله عنه حين أسلمَ، كلُّ ذلك علمتهُ العقيدةُ لعمرَ بن الخطاب رضي الله عنه، ولكنَّ العقاَدَ في كلِّ مرةٍ مع كلِّ (عبقري) يصرُّ على أنَّ مكارمَ الأخلاقِ في هذا العبقريِّ من عنده هو؛ ورثها من أمِّهِ وأبيهِ، وظهر شيءٌ منها في أختهِ وأخيهِ [4] !! والتالي يزيدُ الأمرَ بيانًا.

المؤمنُ يرى بنورِ اللهِ؛ فاللهُ قد جعلَ لعبادهِ المتقينَ نورًا يقذفهُ في قلوبهم، يفرقونَ به بين الحقِّ

(1) عبقرية عمر ضمن موسوعة العقاد الإسلامية ص 329 ـ 340.

(2) عبقرية عمر ص 383.

(3) عبقرية عمر ص 438.

(4) يستثنى من ذلك فقط غاندي الهندي عابد البقرة، فهو (العبقري) الوحيد ـ عند العقاد ـ الذي شكلته العقيدة مع العوامل الوراثية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت