بدعوى أنه الجدال المشروع، وإعمال العقل المشروع في الشريعة.
قبل المناقشة أريد أن ألفت نظرك ـ أخي القارئ ـ إلى طريقة الاستدلال التي ينتهجها عباس العقاد.
يعتمد في استدلاله على التاريخ، وليس الكتاب والسنة، يأتي بما في التاريخ ويدّعي أن ذلك لابد أنه هو حقائق الكتاب والسنة؛ يقول: (ولم يكن هذا الدليل الواقعي من روح الإسلام مقصورًا على وطن أو سلالة، فيقال: إنه مستمد من تراث ذلك الوطن أو تلك السلالة، ولكنه عمَّ بلاد المسلمين جميعًا في عصور كثيرة، فلا يرجع به المؤرخ المنصف إلى وحي غير وحي الكتاب الكريم) [1] .
ماذا يفعل العقاد؟!
يستدل بالتاريخ، وليس فقط، بل ويدّعي أن التاريخ هو الكتاب والسنة!!
قلتُ: والاستدلال بالتاريخ من المكر الكبّار الذي يمارسه المستشرقون وإخوانهم (المستغربون) من بني جلدتنا، والاستدلال بالتاريخ إحدى الركائز الكبرى التي يعتمد عليها المحاربون للشريعة الإسلامية (من الكافرين والمنافقين) .
كتبوا التاريخ بطريقة فاسدة، عن طريق إظهار الشواذ في الفكر والسلوك من أمثال حركات التمرد على الخلافة الإسلامية، والملحدين من زنادقة القرون الأولى ومن الفلاسفة بعد ذلك، أو استغلوا أن مَنْ دونوا التاريخ سجلوا فقط الأحداث، ثم راحوا بعد ذلك يقرؤونها بخلفياتهم الفاسدة، ويستدلون بها على ما يحدث اليوم.
ومن المسلّم به أن أحداث التاريخ تُحاكَم إلى الشريعة الإسلامية لا أنها يؤخذ منها الأحكام الشرعية، أو تحاكَم إليها الأحكام الشرعية.
وشيء آخر يفعله العقاد هنا حال الاستدلال على ما يذهب إليه في قضية (الجدال) : يأتي بأقوال نفر يسير من أهل العلم مدّعيًا أن لم يتكلم في القضية إلا هؤلاء، ولا يناقش إلا يسيرًا جدًّا .. فقط يعرض بعضًا مما عندهم ويدور حوله موهمًا القارئ أنهم لم يخالفوه وأنه لا يخالفهم في
(1) التفكير فريضة إسلامية ص 876.