وهذا ما فهمه صاحب كتاب (النبأ العظيم) الشيخ محمد عبد الله دراز [1] من صلح الحديبية.
رأى في ذلك اليوم دليلًا على أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يسير بوحي من الله وليس من تلقاء نفسه [2] . والعقاد يقول: كان الحبيب - صلى الله عليه وسلم - وقتها كغاندي الهندي عابد البقرة!! سبحانك هذا بهتان عظيم.
والعقاد متضارب كما هي عادته، وكما هي عادة من ينكر الحقائق البينة أو يحاول إنكارها، ففي (عثمان ذو النورين) يسمي الحديبية حملة [3] ، وهذا يناقض استشهاده بها في (عبقرية محمد) - صلى الله عليه وسلم - على أنها نوع من المقاومة السلبية.
العقادُ لا يعرف ملك الوحي الروح الأمين جبريلَ ـ عليه السلام ـ ولا يعرف توجيه السماء للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنما عنده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفعل كل ذلك من تلقاء نفسه، بما أوتي من حاسة (الوعي الكوني) التي جعلته يفهم عن الله دون واسطة!!
يقول: (هذا الإلهام النافذ السديد في تدبير المصالح العامة، وعلاج شئون الجماعات، هو الذي أوحى إلى الرسول الأمي قبل كشف الجراثيم، وقبل تأسيس الحجر الصحي بين الدول، وقبل العصر الحديث بعشرات القرون، أن يقضي في مسائل الصحة واتقاء نشر الأوبئة بفصل الخطاب الذي لم يأت العلم بعده بمزيد؛ حيث قال: «إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها» ) [4] .
وعندنا: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (7) } [النجم: 3 - 7] .
وكثيرًا ما نسمع من عباس العقاد (الدعوة المحمدية) في عبقرية عمر وأبي بكر وعثمان وخالد
(1) محمد عبد الله دراز (1894 م ـ 1978 م) من أعلام القرن الماضي، وممن عاصروا العقاد وطه= =حسين، وممن حملوا الشهادات العليا من مصر ومن الخارج، وممن منَّ الله عليهم بحسن البيان، وآية ذلك فيما كتبت يداه وخاصة كتاب (النبأ العظيم) ، ولم يحظ بهذا الدوي الإعلامي كما العقاد وطه حسين وغيره؛ كونه لم يكن معوجًّا مثلهم.
(2) انظر: النبأ العظيم ص 28، 29. ط. دار القلم. وفي الكتاب أدلة أخرى كثيرة ـ قبل وبعد حديثة عن الحديبية ـ يثبت فيها بالعقل والشرع من الواقع ومن السيرة أنه تنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين.
(3) عبقرية عثمان ص 81.
(4) الأعمال الكاملة (1/ 75) ط. بيروت، وهو بهذا يسوي بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين إخناتون. انظر: رسالة الله ص 40. ط. نهضة مصر.