الغربيون ترجموا أشياء لعباس العقاد وتركوا أشياء؛ ترجموا ما يخدم هدفهم العام، وهو صد الناس في الغرب عن دين الله [1] ، ترجموا ما يعطي صورة غير حقيقة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصحابته الكرام رضوان الله عليهم، وتركوا لنا الباقي، فصدوا قومهم وشغلونا بقومنا، فلا يصل من الفكر الإسلامي إلى الغرب إلا ما يريده القوم، وكأن (الفكر الإسلامي) والأدب الحديث لنا نحن فقط، ولهم منه ما يريدون فقط.
كتب العقاد مرةً عن يهود، ولم يُنشر كتابه، فجلس بين مريديه يشكو من تلك اليد المخطئة التي تسمح لأشياء ولا تسمح لأشياء، يقول فيما يرويه رجاء النقاش: (ليس بسرّ مجهول عن كثير من إخواننا أن لي كتبًا فرغ المترجمون من نقلها إلى اللغات الأجنبية، وإن فصولًا منها نشرت في الصحف، ثم وقفت الأيدي الخفية دون طبعها ونشرها، فلم تزل مخطوطة غير مطبوعة إلى الآن، حيل بينها وبين الظهور بدسيسة ممن يعملون عمل الصهيونية وإن لم يكونوا من بني إسرائيل) [2] . ويقول النقَّاش معلقًا: (ولا شك أن الحرب التي تشنها الصهيونية ضدنا ليست حربًا سياسية فقط، وإنما هي فكرية أيضًا) .
قد كان عباس العقاد في الجملة في مضمار الغرب، كان في الجملة في مضمار المستشرقين، وكان في الجملة ضمن حملة إعادة قراءة الشريعة الإسلامية من جديد.
وأما ردود عباس العقاد في بعض كتاباته فقد كانت ردودًا باردة، لم تنصر حقًّا ولم تدفع باطلًا.
عباس العقاد ـ حالَ دفاعه عن الإسلام ـ لم يخرج من منطلقٍ مقبول، ولم يظهر في سياق مقبول حالًا وإن قُبِل مقالًا أحيانًا، فكان سعيه في سلة المفسدين لا المصلحين!!
وهي حالة تتكرر، وهي حالة خطرها أشد من خطر المجاهرين بالعداء للدين، وقد اتضح ذلك من عرضي لأهم القضايا الإسلامية التي تناولها عباس العقاد مثل (التوحيد) و (الأنبياء) و (الصحابة رضوان الله عليه) و (التفكير) وغير ذلك.
سادسًا: حصر وهمي:
(1) انظر للكاتب: جدال وقتال، بالصفحة الخاصة في صيد الفوائد وطريق الإسلام.
(2) رجاء النقاش، أدباء ومواقف ص 16.