فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 170

هناك حصر وهمي يقع فيه من يقرأ عن العقَّاد أو المازني أو طه حسين أو غيرهم ممن أُبرزوا في الجيل الماضي، فهناك إصرار من العلمانيين على إخراج دعاة الحق من التاريخ، فمثلًا ـ فيما يخصنا في الحديث عن العقَّاد ـ نجد أنيس منصور يكتب عن العقاد سبعمائة صفحة، ولا يأتي على سيد قطب، مع أن سيد قطب صاحبَ عباس العقاد حينًا من الدهر، وتجده يعرض نقاشات فكرية طويلة دارت بين العقاد وجلسائه ولا يتعرض لما دار بين العقاد والرافعي ـ رحمه الله ـ بل ولا يتعرض للرافعي إلا غمزًا ولمزًا [1] !! وكذا رجاء النقاش حين اضطر لأن يذكر شيئًا عن سيد قطب في كتابه (أدباء ومواقف) لمّح ولم يذكر اسم سيد قطب [2] !!

قلتُ: وهذا ديدن القوم في كتابتهم للتاريخ أجمعه، فنحن نقرأ تاريخ الفراعنة ولا نجد فيه ذكرًا لأنبياء الله، ومحالٌ أن يكون الله قد ترك الفراعنة بلا نذير، والله يقول: {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر: 24] ، وقال تعالى على لسان مؤمن آل فرعون وهو يخاطب قومه: {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ} [غافر:34] ، يقصون تاريخ الفراعنة ولا يأتون على أكبر حدث فيه وهو موسى ـ عليه السلام ـ وبه قضى الله على حكم الفراعنة لمصر وورثَ الأرضَ قومٌ آخرون: {كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ} [الدخان: 28] ، ويقصون تاريخ الأمم دون ذكرٍ للرسل، لا من اشتهر منهم ولا من لم يشتهر، حتى إن بعضهم يفتش في التاريخ الذي بين يديه ويقول: أين التوحيد؟! متى عرفت البشرية التوحيد؟!!

ـ حالَ التعرض للحركة الفكرية في مصر ابتداءً من منتصف القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا، لا يمكن أبدًا تفسير التحولات الفكرية .. أو المنازلات الفكرية على الساحة المصرية دون استحضار (الآخر) ، بل إننا نجد أن الآخر هو المؤثر الأول في كل التحولات الفكرية في الساحة المصرية، وكان الصراع معه على الحقيقة، كانت جولة مع الكفر على أرضنا، وقد عقدتُ فصلًا مطولًا لبيان ذلك في بحث المنافقين تحت عنوان (أثر الاستشراق في توجيه المنافقين) ، فلابد من إعطاء الرصد الفكري لهذه الحقبة من الزمن مساحة أوسع من الأشخاص، أو من الأحداث الجزئية التي كانت تحدث على أرض الواقع.

والناظر لما حدث في مصر من صراعات فكرية دارت بين الأشخاص يرى بوضوح أن هذا

(1) وأعجب ما اطلعت عليه في هذا الباب هو ما فعله القس النصراني لويس شيخو في كتابه (شعراء النصرانية) وهو كتاب منتشر، جعل كل شعراء الجاهلية نصارى!!

(2) أدباء ومواقف ص 17.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت