فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 170

وكله أحداث لا أسباب!!

وبعضهم وقف أمام الفتوحات الإسلامية يتصبب عرقًا .. خجل من نظرة (الآخر) لتاريخ المسلمين وقد زحفوا على البر الأجرد وركبوا البحر الأزرق حتى استقرت مطاياهم بالصين شرقًا وجنوب فرنسا غربًا وأطراف روسيا شمالًا .. وقف خجلًا ماذا يقول؟! يرمي بالحجج والمعاذير، يقول: كانت حروبًا استباقية يؤمّنون بها حدود الدولة الإسلامية، وفي كل معركة كانت البداية من العدو، ومن هؤلاء العقاد. وبعضهم يتوارى من ذكر الجهاد، وينظر لصفحاته المشرقة في تاريخ هذه الأمة فيمسكها على هون أو يدسها في جيوب مكتبه ولا يخرجها لطلابه!! وبعضهم وبعضهم، وكأن النصرانية واليهودية والوثنية طاهرة بريئة لم تقتل غيرها ولم يقتتل أبناؤها؟!!

والسبب جهلهم بحال غيرهم، والسبب ضعف وانهزامية في النفوس، والسبب أنهم يتعاطون الأحداث ولا يُرَكِّبُونها على دوافعها الفكرية.

التغيرات الفكرية تسبق التغيرات الحركية وتضبطها .. تحدث معركة في الضمير ثم يكون الظاهر لما يستقر منها في النفس، وتحدث معركة بين الأفكار (أو المفكرين) (أو الدعاة) ، ثم يبدأ التغير الواقعي تدريجيًّا لمن يغلب. وإن قومًا يعيشون في يومهم قوم يحركهم غيرهم شاؤوا أم أبوا.

وها أنا ذا أقدم ترجمة فكرية لعبَّاس العقاد، آملًا في أن تكون بداية موفقة وخطوة على طريق إعادة كتابة التاريخ المعاصر على الأقل بخلفياته الحقيقة؛ إذ كله عراك بين الكفر والإيمان [1] .

ولد عباس العقاد (1889 م ـ 1964 م) في إحدى القرى بأقصى جنوب مصر (مدينة أسوان) حيث كان يعمل أبوه [2] ، ورحل العقَّاد إلى القاهرة وعددٍ من مدنِ شمالِ مصر طلبًا للرزق، وضاقت به أسباب الرزقِ مرارًا، واضطرته أحيانًا لبيع كتبه، أو العودةِ لأهله في أقصى الصعيد.

كان عباس العقَّاد صاحب إمكانات شخصية كثيرة، يبرز منها حدَّةُ الطبع، والتحدي، وكان معتزًّا بنفسه، يعلم منها القدرة على ما لا يستطيعه كثيرٌ من أقرانه، توَّاقًا للريادة، شديد الخصومة، ولذا كثرت مشاكساته وخصوماته.

بدايةُ عباسِ العقادِ سياسيةٌ محضةٌ لا علاقة لها بالناحية الدينية، فكانت بدايته مع اللغة في

(1) وقد بدأتُ في كتابة السيرة النبوية بخلفية عقدية، وانتهيت من الجزء الأول منها تحت عنوان: (الكفر والإيمان إذْ يعتركان ـ قراءة عقدية للفترة المكية في السيرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام) . وقريبًا ينشر إن شاء الله.

(2) «العقاد» : لقب لمن يعملون بالحرير، وربما كانت مهنة في أجداده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت