ثم يقرر أن الإسلام يأمر العقل بأن يستقل في مواجهة السلف ومواجهة الأحبار ومواجهة الاستبداد!!
وهي محاولة صريحة من العقاد لاستقلال العقل في فهم النصوص دون إدراج من سلف.
هذا ما عند العقاد .. يدعي أن العقل حر طليق يعمل كيف يشاء وأين يشاء، وأن العقل مرجع نأوي إليه وجوبًا حال التحدث في القضايا الشرعية!!
وفساد هذه الدعوى من البديهيات؛ إذ لو قلنا بقول عباس لما كانت هناك حقائق أبدًا، فما أَستحسنه أنا وأراه صوابًا يستقبحه غيري ويراه خطأً، والعكس، حتى قيل: إن الحقيقة ثلاثية الأبعاد، لك وجهة نظر، ولمن يخالفك الرأي وجهة نظر أخرى، ولثالث لا يرى رأيكما وجهة نظر تخالفكما [1] !!
فدعوى إطلاق العقل أو دعوى إعمال العقل في النصوص، والرجوع إليه في فهمها دعوى لا تصح عقلًا.
ليس بصحيح أن الشرع يأمر بالرجوع للعقل في كل شيء .. إعمال العقل (التفكير) يكون في ثلاث مناطق:
الأولى: حال المخاطبة بالشريعة الإسلامية .. حالَ مخاطبة من لم يؤمن أصلًا، أو من لا يؤمن.
الثانية: في المناط [2] .
الثالثة: في الدلالة والاستدلال.
الأولى: حال المخاطبة بالشريعة الإسلامية، نكلم الناس بما يفهمون، ننطق من الثابت المشترك بيننا وبين من نتحدث إليه؛ فأهل الأديان نتكلم معهم في أمارات النبوة، وهي قاسم مشترك متعارف عليه، يُنبئ بغيب ويأتي بمعجزات، أمارة على اتصاله بمن يعلم السر وأخفى ومَن هو على كل شيء قدير. ومع العقلانيين نبدأ من أدلة عقلية. والجميع نحدثهم عن الله وعما أعد للمتقين
(1) وهو كلام لا نسلّم به؛ إذ الحقيقة واحدة، والباطل متعدد. واستشهدت بفحواه.
(2) المناط عند العرب ما نيِطَ ـ تعلق ـ به الشيء، يقال: هذا مَنوط به أي مُعلق به، والأنواط المعاليق. (القاموس المحيط، ط 2 ـ 1997 بيروت ـ مؤسسة الرسالة، ص 892) . وعند علماء الشريعة هو (العلة التي نيط [تعلق] الحكم بها) ، أو (العلة التي رتب الحكم عليها) . شرح مختصر الروضة (3/ 233) . والحكم الشرعي (التكييف الشرعي للفعل) يتعدد في ذات الشيء، فمثلًا النفاق ليس كل أفعال النفاق وليست كل أحوال المنافقين كفر بالله، وإنما بعضها معصية، وبعضها كبيرة، وبعضها كفر أكبر مخرج من الملة، هذه أحكام متعددة تتعلق بمناطات متعددة، إلغائي منها هو أقصاها وهو هنا الكفر الأكبر المخرج من الملة.