فهرس الكتاب

الصفحة 138 من 170

وما توعد به العاصين [1] .

ولذا تجد أن التوحيد قسمان: قسم مقدمة لقسم، أو سبب ونتيجة.

والتسمية تدل على ذلك .. (علمي خبري وقصدي طلبي) ، فعلم وخبر (قول القلب وهو المعرفة أو التصديق الخبري) ، يعقبه ولابد قصد (وهذا من عمل القلب) ، وطلب (وهذا من عمل الجوارح) . أو يقال: (توحيد الربوبية والأسماء والصفات وتوحيد الألوهية) .

لاحظ توحيد الربوبية يأخذ حيّز المعرفة التي هي قول القلب في مصطلح أهل الاعتقاد، ويأخذ توحيد الألوهية عمل القلب ـ الناشئ من المعرفة التي هي قول القلب ـ وعمل الجوارح؛ إذ هما مرتبطان معًا وجودًا وعدمًا، قوة وضعفًا.

فجُعل توحيد الربوبية والأسماء والصفات كالسبب لتوحيد الألوهية، أو كالمقدمة له. وهذا كثير في القرآن الكريم؛ من ذلك قول الله تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255) } [البقرة: 255] . بدأت الآية الكريمة بجملة خبرية تقريرية (الله لا إله إلا هو) ... لا معبود بحق إلا الله، أو لا يستحق العبادة إلا الله، ثم تبعت هذه الجملة بعدة جمل تعليلية، تبين سبب أحقية الله سبحانه وتعالى للتفرد بالعبادة، وكأنه سأل سائل: لماذا؟! فأتت الآية بعدها تعلل هذا الخبر (الحي القيوم) , (لا تأخذه سنة ولا نوم) ، (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) ، (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء) ، (وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤوده حفظهما) ، (وهو العلي العظيم) .

ومن ذلك قول الله تعالى: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) } [فصلت: 9] ، والمعنى أن من خلق السموات والأرض في يومين لا يُكفر به ولا ينبغي أن يُجعل له أنداد.

ومثله قول الله تعالى: {رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا} [الكهف: 14] ، والمعنى لأنه ربنا رب السموات والأرض؛ لذلك لن ندعو من دونه إلهًا.

في هذه المنطقة (الخطاب بالتوحيد) .. (مخاطبة من لا يؤمن أو من لم يؤمن) .. يعمل العقل.

(1) يرتكز الخطاب الدعوي على تعريف الناس بربهم، وما أعده لهم من ثواب وعقاب (اليوم الآخر) . وقد فصلت ذلك في معالجتي للسيرة النبوية مستقرئًا الآيات ومطبقًا على أحداث السيرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت