وإن تتبعت هؤلاء العقلانيين .. المفكرين .. المستعظمين لعقولهم، ومنهم عباس العقاد، تجد أنهم يملكون ثوابت ويأتون للدليل فقط ليحملوه على القول بما يذهبون إليه، فهم يعتقدون ثم يستدلون، وهذا مذهب أهل الهوى، أما أهل الحق فإنهم ينظرون للدليل بتجرد .. ثم هم مع ما يمليه عليهم [1] . وقد رأينا عباس العقاد كيف يستدل بالضعيف ويترك الصحيح، وكيف يركب الكذب وصولًا إلى ما يريد، وكيف أنه يأخذ النصارى بقولهم وهو شاهد على باطله، وهو يعلم أن القرآن الكريم يخطّئهم في قولهم. وكيف يعرض عن قول من نصحوه بل ويُعرِّض بهم؛ إنه هوى في النفوس يسير صاحبه بين الأدلة يمنة ويسرة .. يحتال حتى يصل لمراده .. وهؤلاء هم أهل الهوى.
يؤكد العقاد على الثورة على الأسلاف، وعلى الاستقلال عنهم، وما كان لنا أن نقول بهذا، وما كان له أن يقول بأن تعظيم السلف نوع من العبادة والتقديس لهم، أو نوع من الخطر الداهم الذي يأكل الدين!! بل هو الدين.
وكلام العقاد عامّ عائم، وظني أن القضية مشوشة عنده، والثابت فقط هو أن الرجل يبحث عن استقلالية العقل ـ كل عقل ـ في فهمه لنصوص الشريعة دون الخضوع لفهم الجيل الأول أو غيره.
وهذه قضية محورية عند الجميع يصلون إليها من عدة طرق، بعضهم عن طريق التشكيك في السنة النبوية، وبعضهم عن طريق تقسيم السنة النبوية إلى تشريعية وغير تشريعية، وبعضهم عن طريق ذم الصحابة والتابعين ومن حمى الله بهم هذا الدين .. المهم أنها قضية محورية، يمكن التعبير عنها بـ (الانفراد بالنص) .
وأريد معالجة هذا الأمر تحت العنوان التالي:
اصطلح على أن تطلق لفظة (النّص) على منطوق الوحيين الكتاب والسنة الصحيحة. وهذا الأمر فيه نظر؛ إذ إن منطوق القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة لا يمكن بحال أن ينفصل عن سياق عام يشمل فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وفعل الصحابة رضوان الله عليهم، أو قل: سبب نزول (النص)
(1) انظر للكاتب: (ثم يستدلون) .