فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 170

بِالثَّنِيَّةِ الَّتِي يُهْبَطُ عَلَيْهِمْ مِنْهَا بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ، فَقَالَ النَّاسُ: حَلْ حَلْ فَأَلَحَّتْ، فَقَالُوا: خَلَأَتْ الْقَصْوَاءُ، خَلَأَتْ الْقَصْوَاءُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: «مَا خَلَأَتْ الْقَصْوَاءُ، وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ» [1] . يقول شارح البخاري يروي ذلك من طريق آخر يصححه: (أي حبسها الله عز وجل عن دخول مكة كما حبس الفيل عن دخولها) .

وهاودهم للصلح مراعاةً لحرمات الله، وفي الحديث: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا» [2] .

ووافق على بنود الصلح بوحي من الله، دليل ذلك: أن أصحابه ـ رضوان الله عليهم ـ في جملتهم تباطؤوا عن الامتثال أملًا في التراجع أو في شيء يحدث يدخلون به إلى البيت، وكأنها حالةُ تمردٍ وعصيانٍ، ولو كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يسير بشيء من تلقاء نفسه .. لو كان يحسبها بعقله لقدَّم تلك الحجج العقلية التي بموجبها أمضَى الصلح على ما هو عليه من شروط تبدو جائرة، ولكنه لم يزد أن قال: إنه رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) ولن يضيعه.

كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يسير بالوحي في كل شأنه، في يوم الحديبية وفي غير يوم الحديبية، فكان الوحي هاديًا، وكان الوحي مراقبًا لما يصدر من النبي - صلى الله عليه وسلم -، فدِلالةٌ وإملاءٌ، أو إقرارٌ، أو تصويبٌ [3] ، وفي التنزيل {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 4] ، وفي التنزيل: {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (9) } [الأحقاف: 9] ، وفي التنزيل: {وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (203) } [الأعراف: 203] ، وفي التنزيل: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) } [يونس: 15] ، وفي التنزيل: {قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (50) } [الأنعام: 50] .

(1) البخاري برقم 2529.

(2) البخاري برقم 2529.

(3) من أفضل ما اطلعت عليه رسالة دكتوراه بعنوان (دفع الشبهات عن عصمة النبي - صلى الله عليه وسلم -) للدكتور عماد الشربيني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت