فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 170

بايع النساء أو صلى بهن أو جلسن إليه يسألنه في أمور الدين) [1] .

وهذا الكلام غير صحيح، ما بنى عليه العقّاد غير صحيح، وبالتالي ما استنبطه غير صحيح، خطأ في الدلالة وخطأ في الاستدلال.

أبو بكر الصديق من بني تَيْمِ بن مُرَّةٍ، وبنو تيم بن مرة هم أضعف قريش نسبًا وأقلهم حسبًا، فكانوا بين قريش في الجاهلية لا يفاخرون بغير ابن جدعان، وهو صعلوكٌ مطرود عثر على كنز فراح ينفق أمواله فيما كانت العرب تفاخر به وهو إطعام الطعام ليخلد في الناس ذكره، واجتمع حوله عدد من الجياع ممن ينظمون الشعر يمدحونه إن أطعمهم ويذمونه إن أُطعموا ما هو أشهى (البر بالشهاد) عند غيره، فشاع بين الناس ذكره. وكله من فخر الجاهلية، ومشهورٌ قول أبي سفيان يوم بويع أبو بكرٍ بالخلافة: (ما بال هذا الأمر في أقل قريش قلة وأذلها ذلة) [2] . ومشهورٌ أيضًا قول أبي قحافة (أبي الصديق) يوم بويع أبو بكر بالخلافة: هل رضيت بذلك بنو عبد مناف وبنو المغيرة؟! قالوا: نعم، فقال: لا واضع لما رفعت، ولا رافع لما وضعت [3] . فهو يشي إلى موضوعٍ رُفع، ومرفوعٍ وضع. والرجل حديث عهد بإيمان.

وحال بني تيم بن مرة في الجاهلية معروفٌ في كتب الأنساب وكتب السيرة وكتب الحديث، فكيف حاد عنها العقاد وقد مر عليها أكثر من مرة؟!

ولم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - يستشير السيدة عائشة في شأنه كله، بل ولا استشار السيدة أم سلمة يوم الحديبية كما هو مشهورٌ بين الناس، وإنما دخل خيمته وهي ـ رضي الله عنها ـ فيها وتحدث إليها حديث المدهش المأخوذ بما رأى من الناس وقد أمرهم فتباطؤوا، فسمعت قوله وعرضت عليه رأيًا فأخذ به. فلم يكن الحال هو المشورة وإنما حديث العفو، ولم يكن الحال أن تعقد مجالس الشورى بالنساء، لا في الجاهلية ولا في الإسلام، بل كانوا يأنفون من ذلك، وشاعرهم يقول مفاخرًا بنفسه:

وَلا جَبأَ أَكهى مُرِبٍّ بِعرسِهِ ... يُطالِعُها في شَأنِهِ كَيفَ يَفعَلُ [4]

(1) ص 65.

(2) انظر: المستدرك (3/ 83) حديث (4462) ، وانظر: تاريخ الطبري (2/ 2237) ، وحياة الصحابة (2/ 148) ، وانظر: كنز العمال (5/ 657) حديث (14155) .

(3) انظر: أسد الغابة (1/ 650) ، تاريخ الخلفاء ص 73.

(4) هذا البيت من (لامية العرب) للشنفري، وهي من مشهور شعر العرب، وكانوا يحفِّظونها صغارهم. وجبأَ: جبان. وأكهى: أفعل من الكهاةِ، يدور معناها على الضخامة والعظمة، والمقصود هياب متردد تكبر الأشياء في حسه، يدعم الوصف الأول (جبأ) . والمربُّ: الملازم. انظر: لسان العرب (15/ 234) . والشنفري: هو عمرو بن مالك الأزدي، من قحطان، شاعر جاهلي، يماني، من فحول الطبقة الثانية. كان من فتاك العرب وعدائيهم. وهو أحد الخلعاء الذين تبرأت منهم عشائرهم. انظر: الأعلام للزركلي (5/ 85) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت