فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 170

هذا المبحث قراءة لشخصية خالد بن الوليد ـ رضي الله عنه ـ قراءة شرعية أنقد بها ما ذهب إليه عباس العقاد في تحليله للشخصيات في (عبقرياته) ، وأبدأ بعرض مشاهد ثم أعلق عليها مستنبطًا منها.

(خرجت قريش ـ يوم أحد ـ بحدِّها وجدِّها وحديدها وأحابيشها، ومن تابعها من بني كنانة، وأهل تهامة والظعينة) [1] موتورين بآبائهم وإخوانهم، يُجعجع فرسانهم، وتضرب بالدف نساؤهم، وينادي بالثارات جميعهم؛ فيهم مائتا فارس على رأسهم خالد بن الوليد يواجهون سبعمائة رجل رجالًا حُسرًا، ولم يغنِ قريشًا أن بها خالد بن الوليد، ولم يستطع شيئًا إلا على غرَّة، وعلى غرَّةٍ والناس منهزمون قد انفضوا من مواقعهم واستدار بعضهم على بعض، ما استطاع خالدٌ بثلاثة آلاف أن يقتل إلا سبعين ـ أو أقل ـ نفرًا!!

وفي يوم الحديبية خرجت قريش كخروجها يوم أحد أو أشد، ووقف خالد بن الوليد على رأس فرسان قريش، وما جرئ على قتال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصحابته، وهم حُرُمٌ لا يحملون إلا سيف الراحلة، وقف يبحث عن وقت غفلة كي يأخذهم على غِرَّة ـ كما فعل يوم أحد ـ وما استطاع شيئًا [2] .

وفي سنة تسع من الهجرة عقدَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لواءً لخالد بن الوليد ـ رضي الله عنه ـ بأربعمائة وعشرين فارسًا إلى إحدى قرى الشام (دومة الجندل) كي يغير على مَلِكها أُكَيْدِرِ، فقال خالد: يا رسول الله، كيف لي به وسط بلاد كَلْبٍ وإنما أنا في أناس يسير؟! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «ستجده يصيد البقر فتأخذه» [3] . فتشجع خالد وصار إليه، فوجده على الحال التي وصف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخذه.

وبعد عامين فقط تجمعت قبائل كلب ومن جاورها من بني تميم ومعهم أحياء قضاعة عند دومة الجندل، فتحرك إليهم خالد في جيش أقل منهم بكثير جدًّا وذبحهم في الحصون وحولها.

وبعد عامين فقط ركب خالد بن الوليد في نفر يسير ـ بالنسبة لقوات العدو ـ لمن ارتد من العرب من غطفان وبني حنيفة، ثم صار إلى أهل العراق والشام فأتى على قوى الكفر كلها من

(1) من سيرة ابن هشام في ذكر غزوة أحد.

(2) المغازي (2/ 582) ، وذكره النووي في شرح حديث صالح بن خوّات عن صلاة الخوف في البخاري باب المغازي برقم 3817.

(3) ذكره الواقدي في المغازي (3/ 1025) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت