عرب وفرس وروم في هذه البلاد، وما تردد في معركة، وما انهزم.
ما الذي حدث؟! خالد هو خالد، بل كَبُرَ سنه ورقَّ ـ بعض الشيء ــ عظمه، كيف يَهزم كل هذه الجيوش المتماسكة المجتمعة وكيف يقتل كل هذا العدد من البشر؟!
حدث هناك نوع من التغيير في المفاهيم والتصورات الداخلية التي تُحرِّك خالد بن الوليد ـ رضي الله عنه ـ ومن معه، نوع جديد من المفاهيم عن طبيعة المعركة وأسباب النصر والهزيمة، جعلت خالدًا يُحدث كل هذا الأثر في واقع الناس. وتدبر هذين الموقفين:
يوم اليرموك جاء أحدهم يخوفه من الروم وقد أقبلت كالسحابة السوداء تسد الأفق، تموج بهم الأرض كما يموج البحر، صوتهم كالرعد. كما يصف ابن كثير ـ رحمه الله ـ على لسان من حضر المعركة. والمسلمون قلة، جاء يقول لخالد: ما أكثر الروم وأقل المسلمين! فقال خالد: ويلك، أتخوفني بالروم؟! إنما تكثر الجنود بالنصر [أي من الله] [1] ، وتقل بالخذلان لا بعدد الرجال، والله لوددت أن الأشقر براء من توجيه وأنهم أضعفوا في العدد.
وحين همَّ بعبور بادية الشام من العراق إلى اليرموك تخوّف من معه واستداروا كأنهم يريدون مراجعته في أمر العبور إلى الشام، فقام فيهم خطيبًا بهذه الكلمات: (اعلموا أن المعونة على قدر النية، والأجر على قدر الاحتساب، فأروا الله من أنفسكم خيرًا يمدكم بمدده) .
خالد بالأمس القريب، حين أُمِرَ بالتوجه لأُكيدر يحسب للعدد حسابًا وينادي: كيف؟! وإنما أنا في نفر يسير، وهو اليوم يلغي عامل العدد من أسباب النصر والهزيمة.
وخالد يتمنى شفاء فرسه ليكون أنشط في القتال مقابل أن يزيد جيش الروم ضعفًا كاملًا .. أهذا خالد يوم أحد والحديبية؟!
وخالد يُقدم على عبور المفازة سالكًا طريقًا لا يظن عاقل أن جيشًا يسير به وينجو، معتمدًا على أن (المعونة «من الله» على قدر النية) ، فهو يتكلم بأن السبب المطلوب بذله لعبور هذه المفازة هو صدق اللجوء إلى الله وحسن التوكل عليه، ويُذكِّر من معه بالاحتساب حتى لا يضيع الأجر.
إن العامل الأساس هو العقيدة وليس شخص خالد رضي الله عنه، فكما رأيت حدثت نقلات نوعية في شخصية خالد وما أنجزه بعد الإسلام، وهذا الأثر ازداد تدريجيًّا بثبات الإسلام في صدر أبي سليمان ـ رضي الله عنه ـ، كما علّل هو رضي الله عنه وأرضاه.
(1) ما بين القوسين مني. والنص من ابن كثير رحمه الله في أحداث غزوة اليرموك.