يعمدوا لسبِّ الدين ولا التطاول على الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يكن قولهم جَدًّا، بل كان (حديث الركب) كما قالوا، ولم يكذبهم الله في دعواهم بأنه حديث الركب، بل لم يلتفت إليها، وكأن السب إن حصل يعاقب عليه صاحبه أيًّا كان دافعه [1] .
والمقصود: أن السخرية من المتدينين ـ أيًّا كان دافعها ـ سخرية من الدين، والطعن في الصحابة طعن في الدين. والطعنُ في الصحابة هو إحدى وسائل الطاعنين في الدين، أو لا يُطعن في الدين إلا بالطعن في المتدينين عمومًا والصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ خصوصًا. فتسمع النسويين يتكلمون بأن بعض الصحابيات كن متبرجات يخرجن مع الرجال للجهاد!! ويخالطن الرجال تعلمًا وتعليمًا!! يستدلون بهذا على ما تراه اليوم من حالهن وقد خرجن عاريات مائلات مميلات يبعثرن السيئات بين المؤمنين والمؤمنات!!
وكذبوا، فقد كنَّ ـ رضي الله عنهن ـ طاهرات عفيفات لا يخرجن من بيوتهن إلا استثناءً، وإن خرجن فعلى الحال التي وصف الله: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ} [الأحزاب: 59] ، لم يكن يُرى منهن شيء .. سوادٌ يمشي على الأرض .. زينتها لزوجها.
وتبصر الداعين إلى تنحية الشريعة وقد أطالوا الكلام على يوم (السقيفة) ، وحول اقتتال الصحابة، يقولون: هذا حالنا إذا طبقنا الشريعة!!
وكأننا بالشريعة مقتتلون وبغير الشريعة آمنون مطمئنون، والحال ينبئك بكذبهم؛ فها هي الديمقراطية التي يدعون إليها في اليابان (هيروشيما ونجازاكي) وإفريقيا والأفغان والعراق والصومال والشيشان، ماذا جنينا منها غير القتل والتشريد والسجن والتعذيب؟!
ولَمْ يقتتل الصحابة على دنيا ولم يختلفوا، وإن المنافقين لكاذبون.
والمقصود: كل الطاعنين في الدين تجدهم حول الصحابة الكرام يطعنون فيهم، والمقصود أن: الطاعنين في الصحابة رضوان الله عليهم ـ ومنهم عباس العقاد ـ طاعنون في الدين شاؤوا أم أبوا.
تكفي هذه مقدمةً لتعاطي موقف عباس العقاد من الصحابة رضوان الله عليهم، أو لرسم
(1) وليس كل المتطاولين (الطاعنين) من أهل النفاق الأكبر المخرج من الملة، فقد كان حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ ممن تكلموا بالإفك، ولم يرموا بنفاق، فالقصد في مثل هذه الأمور قصدان: قصد للفعل ـ أو القول ـ وقصد لما وراء الفعل أو القول، والعبرة هنا بالثاني، وأيضًا يعرف القول بالنظر فيه وبالنظر في قائله وبالنظر في سياق حاله. وقد شرح هذا وفصل فيه الشيخ رفاعي سرور في تقديمه لكتاب الكذاب اللئيم= =زكريا بطرس. وانظر: (التأويل أنواع) ، و (القصد قصدان) للكاتب بالصفحة الخاصة في صيد الفوائد، وغيرها.