فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (49) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (50) سورة مريم .. وفي هذه الآيات فوائد كثيرة إليك بعضها:
1.ثناء الله على إبراهيم وأنه إضافة إلى كونه نبي فهو صديق.
2.ذكر دعوة إبراهيم أباه وقومه إلى عبادة الله وحده وهي دعوة جميع الأنبياء وبراءته من أصنامهم؛ وهو أمر أهمله كتابهم في قصة إبراهيم رغم أهميته البالغة.
3.ذكر حرص إبراهيم على هداية والده وتلطفه في دعوته، وإظهاره خوفه عليه من عذاب الله إن بقي على شركه؛ وتكراره دعوته له: يا أبتِ ... يا أبتِ ... رغم توعد أبيه له وتهديده، وفي ذلك توجيه وتعليم للدعاة في كل زمان فهو أسوة لنا وقدوه كما قال تعالى في سورة أخرى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ} الممتحنة4.
4.وفيه منقبة عظيمه لإبراهيم وهي تقديمه لأمر ربه وتوحيده، على أمر قومه وعشيرته ووالده لما أصروا على باطلهم وأبوا دعوته: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيًّا} وهنا هنا فائدة بديعة وهي تقديمه اعتزال قومه الضالين على اعتزال أوثانهم ومعبوداتهم إبرازا لأهمية ذلك وضرورته؛ فكم من إنسان يعتزل الأصنام ويجتنب عبادتها بصورها المختلفة، ولكنه يبقى حبيبا مواليا لعابديها يودّهم ويحبهم لروابط الوطنية أو العشيرة، ولوشائج القرابة والأبوة ونحوها، والتي لا تغني عند الله شيئا مع اختلاف رابطة الدين والإيمان وانفصامها، فكان إبراهيم أسوة حسنة وعظيمة في ذلك قال تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} الممتحنة4
وتأمل أيضا هنا تقديمه للبراءة من قومه العابدين لغير الله، على براءته مما يعبدون من دون الله تأكيدا لأهمية هذا النهج؛ لأن اللبس والخلل والتمييع غالبا ما يحصل في الأول، أما الأوثان والأصنام خصوصا إذا كانت حجرية مادية؛ فأمرها واضح لا يجادل فيه إلا المعاندون والمكابرون.