وبعد ..
فقد قال الله تعالى في القرآن العظيم: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (46) سورة العنكبوت.
وقال سبحانه: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ(8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9 ) ) سورة الممتحنة.
ففي هذه الآيات يقسم الله تعالى لنا أهل الكتاب من حيث خطابنا وتعاملنا معهم إلى طائفيتن أو قسمين:
-قسم عام: لم يقاتلونا في الدين ولم يخرجونا من ديارنا ولم يعتدوا علينا أو يظلمونا.
-وقسم خاص: وهم الذين قاتلونا في الدين أو أخرجونا من ديارنا أو ظاهروا على إخراجنا فظلمونا.
ويوجهنا سبحانه إلى خطاب أهل الكتاب عموما وجدالهم بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم، وهم أصحاب القسم الثاني، ويرفع سبحانه عنا الحرج في معاملة غير الذين ظلموا منهم بالبر والقسط ومقابلة إحسانهم بإحسان (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان) سورة الرحمن، ويتأكد هذا الإحسان علينا تجاه أهل العهد منهم والذمة حين يكون للمسلمين دولة، وأيضا أولئك الذين يتعاملون مع دين الإسلام وأهله بالإحسان والإحترام دون أن يكون للمسلمين دولة فتراهم يفعلون ذلك بدافع أخلاقي أو إنساني أو غيره فيلاينون أهل الإسلام ويلاطفوهم ويحترمون شرائعهم بل ومنهم من يبذل المساعدة والإغاثة والمواساة لمحتاجيها في كثير من بلاد المسلمين دون أن يكون دافعهم إلى ذلك خوف أو رهبة إذ لا سلطان للمسلمين عليهم يخافوه ولا حكم لدولتهم يرهبوه، فلئن كان من المفسرين من فسّر القسم المستحق للبر منهم من كان نازلا تحت أحكام