وقال في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (1/ 485) : (وقد قال الله تعالى لمحمد"إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا"؛ فسمّاه الله سراجا منيرا وسمى الشمس سراجا وهاجا، والسراج المنير أكمل من السراج الوهاج فإن الوهاج له حرارة تؤذي والمنير يهتدي بنوره من غير أذى بوهجه) اهـ.
ولذلك كان في شرع التوراة تشديد وآصار وأغلال، فكان من توبتهم مثلا قتل الأنفس، كما في قوله تعالى:"فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم"، وكان فيها تحريم لبعض الطيبات عقوبة لهم لبغيهم وظلمهم كما قال تعالى:"فَبِظُلمٍ مِنَ الَّذينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّت لَهُم وَبِصَدِّهِم عَنْ سَبيلِ اللهِ كَثيرًا"160 النساء، ومن ثم فلا يعجب القارئ من بعض الشرائع التي سيرد ذكرها من كتابهم منسوبة إلى شريعة موسى، مما فيه تشديد في أشياء كثيرة كالطهارة والنجاسة أو غيرها من المسائل، ولا يبادر إلى ردها أو التكذيب والاستهزاء بها لذلك التشديد، بل الواجب أن يسلك معها ويقف منها على التفصيل الذي ذكرناه آنفا، بين مقبول أو مردود أو متوقف فيه .. وليحمد الله تعالى على سماحة ديننا وتيسير شريعتنا التي اصطفاها الله لنا) َ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة: من الآية185) ، عكس ما يردده ويشقشق به أعداء الإسلام الحاقدين على شرائعه فقد رفع الله سبحانه في هذه الشريعة السمحة الحرج عنا"ما يُريدُ اللهُ لِيَجْعلَ عَلَيكُم مِن حَرَجٍ"6 المائدة، ووضع كثيرا من الآصار والأغلال والتشديدات التي كانت في شرائع من كانوا قبلنا، فبُعث نبينا صلى الله عليه وسلم بوضعها، كما قال تعالى:"الّذينَ يَتَّبِعونَ الرَّسولَ النَّبيَّ الأُميَّ الّذي يَجِدونَهُ مَكْتوبًا عِنْدَهُم في التَّوراةِ والإِنجيلِ يَأمُرُهُم بِالمَعْروفِ وَيَنهاهُم عَن المُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُم الطَّيباتِ وُيُحَرِّمُ عَلَيهم الخَبائثَ وَيَضعُ عَنهم إصْرَهُم وَالأَغْلالَ الّتي كانَت علَيهِم فالذينَ آمنوا بِهِ وَعَزَّروهُ ونَصَروهُ واتَّبعوا النّورَ الّذي أُنزِلَ مَعَهُ أولئكَ هُم المُفْلِحون"157 الأعراف ..
وقد بوَّب الإمام البخاري -رحمه الله في صحيحة: [باب الدِّين يُسْرٌ وقول النبي: (أَحَبُّ الدِّينِ إلى الله الحنيفية السمحة) ] وأخرجه الإمام أحمد عن ابن عباس قال: قيل لرسول الله: أيُّ الدِّين أحبُّ إلى الله قال: (الحنيفية السمحة) ..
وفي حديث آخر يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إنِّي لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية ولكني بُعثتُ بالحنيفية السمحة) أخرجه الإمام أحمد في المسند ..