فيها من الأخبار القبيحة الشنيعة التي تنسب السوء إلى الله أو إلى ملائكته ورسله، ومعرضًا عن الأخبار المبالغ فيها أو غير السوية وعما لا فائدة تحته في دين أو دنيا؛ من تأمل ذلك سيستيقن أن هذه الاختيارات المحكمة الموفقة دائمًا لا يمكن أن يختارها إلا عالم الغيب والشهادة، ولا يمكن بحال من الأحوال أن تتأتي لرجل أمي لا يقرأ ولا يكتب هكذا من تلقاء نفسه وجهده وتخيّره لو أنه ـ كما يزعم الأفّاكون ـ كان نقّالا من كتبهم وقصصهم وأخبارهم التي فيها الغث والسمين، وحوت كما سترى من الباطل والمنكر والكذب والإفك الشيء الكثير هذا مع احتواء بيئته التي ولد وعاش وترعرع فيها أيضا على أضعاف ذلك الباطل، وانتحال جل من نشأ بينهم ورعوه في يتمه وصغره واعتقادهم للشرك والكفر والباطل الذي جاء القرآن يرده ويبطله ويدحره بأدلة شرعية بينة وبراهين عقليه منيرة ..
فكيف إذا تذكرنا أن القرآن ليس بكتاب أخبار وقصص وحسب، بل قد حوى من الأحكام والشرائع المحكمة في كل ما يحتاجه الناس في دينهم ودنياهم وعباداتهم ومعاملاتهم ومحياهم ومماتهم ما لم يسبقه بمثله كتاب، ولا داناه أو ضاهاه في ذلك قانون أو تشريع مما أمضى دهاقنة القانون ودكاترة التشريع أعمارهم وأفنوها في وضعه وتكميله وترقيعه وتلميعه .. !!
فيكف إذا أضيف إلى هذا وذاك ما حاجج الله به الكفار من كون النبي صلى الله عليه وسلم لم يسبق له أن قرأ كتابًا قبل القرآن الذي أنزل عليه، ولا له سابقة كتابة كتابٍ أو تجربة تأليف مما يحتاجها كل من ألف وصنف كتابًا عاديًا بشريًا؛ فيكف بما هو أجل وأعلى وأعظم؟ وأنى له ذلك هو النبي الأمي ... ؟ قال الله تعالى: {وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} العنكبوت48
فكيف إذا أضيف إلى هذا وذاك وذاك ما اشتمل عليه هذا القرآن العظيم من تحدىٍ وإعجاز، ولا يزال يتحدى فحول الشعراء وفطاحلة الأدب واللغة منذ أربعة عشر قرنًا ويهيّجهم إلى يومنا هذا على أن يأتوا بسورة من مثله؛ يتحداهم وهم أحوج ما يكونون لكسر هذا التحدي من كتاب جهّل وضلّل آباءهم وعاب دينهم وسفه آلهتهم وأحلامهم وعقولهم فما استطاعوا إلى ذلك سبيلا ... وهاهم إليوم وغدا وبعد غدٍ إلى قيام الساعة يقفون راكعين صاغرين خانعين أمام هذا التحدي والإعجار ..