فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 160

فهذا الاصطلاح يستعمله البخاري، ولا يعني به التوثيق المطلق، كما ظهر لنا من النصوص الخمسة السابقة، وإنما يقوله في حق الرجل الذي له أوهام، ولا يسقط حديثه، ويضعف مطلقًا، وربما كانت قريبة الشبه بمرتبة (صدوق يخطئ) ، والله أعلم.

وعلى أية حال، فإن استعمال البخاري للفظة (الاحتمال) مما يدل على أنْ ليس في النص الذي نقله ابن يربوع ما يستنكر، أو يخالف منهج البخاري واستعمالاته للمصطلحات.

3 -من خلال اطلاعي على كتاب (التاريخ الكبير) لاحظت أن نصوص البخاري في تعديل الرواة وتوثيقهم قليلة جدًّا، بل نادرة، إذا ما قورنت بنصوصه التي ينتقد فيها الرواة بمثل قوله:"فيه نظر"، و"منكر الحديث"، و"لا يتابع عليه"، و"لم يصح حديثه"، ونحو هذه العبارات النقدية التي فيها طعن وجرح لبعض الرواة.

وكنت قبل أن أطلع على ما نقله ابن يربوع أسائل نفسي: لماذا يكثر البخاري من جرح الرواة، ولا يكاد يوثق في (تاريخه الكبير) الكثير من ثقات المحدثين ومشاهيرهم؟ فلما وقفت على كلامه تجلى لي منهجه وتبين الأمر.

ولعل في هذه الأمور ما يجعل القلب يركن إلى ثبوت الكلام الذي نقل عن البخاري في بيان منهجه في كتابه (التاريخ الكبير) .

ويظهر أن قول البخاري:"ومن لم أبين فيه جُرحةً، فهو على الاحتمال"يدخل فيه الثقة ومتوسط الحفظ، وكل راوٍ ضُعّف ولم يشتد ضعفه، ويوضح الأمر أكثر ويفسر مقصوده أنه قد قال:"كل من لا أعرف صحيح حديثه من سقيمه، فلا أروي عنه"، فغير المحتمل عنده من يترك هو الرواية عنه، وكل من تميَّزَ صحيح حديثه من سقيمه، فهو يروي عنه، وهو المحتمل عنده فيما يظهر لي.

والقاعدة السابقة لم أرَ من نبه عليها، وإنَّما رأيت لبعض المشتغلين بالحديث - وهو الشيخ عبدالفتاح ... أبو غدة - رسالة يذهب فيها إلى أن الرجل إذا سكت عنه المتكلمون في الرجال، كالبخاري، وأبي حاتم، وابن عدي - يعد سكوتهم توثيقًا له، وهذا كلام فيه نظر، وقد تولى غير واحد من الباحثين الرد على الشيخ عبدالفتاح، ولم أرَ أحدًا من الطرفين وقف على نص البخاري السابق، وهو فيما أظن يحسم النزاع؛ إذ إن لفظ الاحتمال لا يعني التوثيق المطلق، بل هو - أعني النص السابق المروي عن البخاري - أشبه ما يكون بقول أبي داود في (سننه) :"وما كان في كتابي من حديث فيه وهن شديد، فقد بينته، ومنه ما لا يصح سنده، وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض".

ولا يخفى أن حديثنا عن البخاري فقط، ولا يدخل ابن أبي حاتم أو غيره معنا هنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت