فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 172

ولا يفهم من القول بالإدراك الحسي والإدراك العقلي بأن قوى الإدراك مُجَزَّأة ومنفصلة بعضها عن بعض، بل إن عملية الإدراك واحدة ومتكاملة تبدأ بالإدراك الحسي وتنتهي بالإدراك العقلي، لذلك فإن ابن تيمية يؤكد على هذا المعنى بتشبيه وظيفة الحواس بوظيفة الحجبة الذين يقومون بتوصيل الأخبار من الحواس إلى القلب. والقلب في النهاية هو الذي يقوم بعملية الإدراك العقلي وفهم الأمور الكلية والمعقولات غير الحسية.

وهذا الفهم لعملية الإدراك هو ما أكده علماء النفس قديمًا وحديثًا.

يقول ابن تيمية: «إن العين تقصر عن القلب والأذن وتفارقهما في شيء، وهو أنها إنما يرى صاحبها بها الأشياء الحاضرة والأمور الجسمانية مثل الصور والأشخاص.

فأما القلب والأذن فيعلم الإنسان بهما ما غاب عنه، ولا مجال للبصر فيه من الأشياء الروحانية والمعلومات المعنوية. ثم بعد ذلك يفترقان: فالقلب يعقل الأشياء بنفسه إذا كان العلم غذاءه وخاصيته، أما الأذن فإنها تحمل القول والكلام، فإذا وصل ذلك إلى القلب أخذ ما فيه من العلم، فصاحب العلم في حقيقة الأمر هو القلب، وإنما سائر الأعضاء حجبة له توصل إليه من الأخبار ما لم يكن ليأخذه بنفسه» [1] .

وابن تيمية - رحمه الله - يركز على حاستي السمع والبصر ويبين أهميتها للإدراك الحسي ثم العقلي بعد ذلك .. لأن القرآن الكريم اكتفى بذكر هاتين الأداتين للإحساس؛ وتفضيل ابن تيمية السمع على البصر لأن الله تعالى يذكر السمع قبل الإبصار في كثير من الآيات، وذلك لعدة اعتبارت:

الأول: أن السمع أهم من البصر في عملية الإدراك الحسي والتعلم، وتحصيل العلوم، فمن الممكن للإنسان إذا فقد بصره أن يتعلم اللغة ويحصل العلوم، ولكنه إذا فقد سمعه تعذر عليه تعلم اللغة وتحصيل العلوم، ومما يدل على أهمية السمع في الإدراك وفي تعلم اللغة - وهي من أهم أدوات التفكير وتحصيل العلوم - أن القرآن ذكره وحده مع العقل للدلالة على العلاقة الوثيقة بينه وبين العقل. قال تعالى: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك: 10] .

وفي كثير من آيات القرآن، يذكر السمع بمعنى الفهم والتدبر والتعقل، مؤكدًا هذه العلاقة الوثيقة بين السمع والعقل.

قال تعالى: {إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا} [آل عمران: 193] .

(1) فتاوى الرياض 9/ 310.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت