-وأن السلطة التي يهيمنون بها على الناس في كل ميادين الحياة أصبحت مهددة بالزوال، فأعلنوا الحرب الضارية على هذا النفر وسقطت ضحايا، فـ (جيؤو ردانوا برونو) (ت 1009 هـ) مثلًا حكمت عليه الكنيسة بـ (أن يُعدم دون أن تُراق نقطة من دمه) ، وكان معنى هذا أن يُحرق؛ وبالفعل صلب على سارية في مدينة روما، وأشعلت فيه النيران (!!) ليكون عبرة لمن تسوِّل له نفسه أن يسير في هذا الاتجاه.
وغاليله (ت 1052 هـ) حُكم عليه أيضًا بالإعدام، ثم خُفِّفَ الحكم عليه إلى السَّجْن المؤبَّد، رحمة بشيخوخته!! ...
ثم إن الدين النصراني «المغيَّر المبدَّل الذي نُسب إلى المسيح زورًا وبهتانًا، والمسيح عليه السلام - كما قال ويلز (ت 1365 م) : لا يعرف عنه شيئًا» [1] ، أصبح لا تقبله العقول مع فرضه بالقوة والسلطة على الناس! ...
وفساد رجال الكهنوت الأخلاقي من جهة، وغلو الرهبانية في محاربة النزعة الفطرية من جهة أخرى [2] ، ومؤازرة رجال الكهنوت للطغاة الذين كانوا يحكمون أوروبا بالظلم والعسف والقهر.
واستغلال اليهود لهذه الأحوال في إبعاد الناس عن الدين ... كلُّ أولئك ولَّد وأيَّد هذه النزعة العلمانية: العمل لهذه الدنيا واستدبار الاتجاه الديني أيًَّا كان، وجعل أمور الآخرة وراء الظهور ...
3 -قد كان رفض الدين أيًّا كان مصيبة بل كارثة فكرية عالمية، وقد استشرت وانتشرت حتى أطبقت على الأرض بكلِّ من فيها، وأصابتنا - نحن المسلمين - عدواها؛ فقد دخلت علينا عن طريق الاقتباس من العلوم التي أخذناها عن الغرب، وعليها بصمات الفكر الأوروبي الذي انتهى إلى العلمانية، أخذناها دون مراجعة أو تأصيل أو إزالة الانحراف العلماني عنها، ودون العودة بها إلى وضعها الطبيعي الصحيح وهو الاتجاه الإيماني.
هذا مع وجود الفارق البيِّن بيننا وبين الأوربيّين، وكون حال العلم عندنا على عكس حال العلم عندهم؛ فالعلم عندنا - كما أشرنا - وليد ديننا وهو استجابة لأمر الله بالنظر في الكون وتسخير ما أنعم الله به على الإنسان وفَق شرعه المطهّر. والعلم عند الأوروبيين وُجد برغم دينهم إليه فما عذرنا نحن المسلمين في سلوك مسلكهم وتقليدنا لهم ذلك التقليد الأعمى الذي يذكر بأقصوصة [3] فيها عبرة.
(1) رَد: معالم تاريخ الإنسانية: تأليف هـ. ج. وِلز، تعريب عبد العزيز توفيق جاويد، لجنة التأليف والنشر، القاهرة، 1952 م. ومن أفضل المراجع في تاريخ النصرانية وتطوراتها كتاب (محاضرات في النصرانية) : تأليف محمد أبو زهرة.
(2) رَ: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين: أبو الحسن الندْوي، دار القلم بدمشق، 1420 هـ/ 1999 م، ص 182 وما بعدها.
(3) أقصوصة الحمير التي كانت محمّلة بأثقال من الصوف تنوء بحملها، فرأت طائفة من الحمير اتخذت طريقها في النهر وخرجت منه نَشِطة قد زالت الأثقال عنها، فخاضت في النهر لتخفَّ أثقالها، فزادت الأثقال أضعاف ما كانت عليه، ولم تر تلك الحمير المقلِّدة تقليدًا أعمى أن الحمير التي قلدتها كانت محمَّلة بالملح!! ...