14 -وَاجْزِمْ بِأَنَّ أَوَّلًا مِمَّا يَجِبْ ... مَعْرِفَةٌ وَفِيهِ خُلْفٌ مُنْتَصِبْ
[المراد بالمعرفة]
لمّا فرغ الناظم رحمه الله من الكلام على المقلِّد، وهل يكفي التقليد في عقائد التوحيد أو لا، أخذ يتكلم على أوّل واجبٍ على المكلَّف فقال:
(واجزم) أي اقطع (بأنّ أوّلا ممّا يجب) عليك أيها المكلف (معرفة) وهي الجزم المطابق عن دليل. فخرج بـ"الجزم"ثلاثة: الظن والشك والوهم. وخرج بـ"المطابق": غير المطابق. وخرج بقولنا"عن دليل": الجزمُ المطابق لا عن دليل، فلا يسمى المقلِّد عارفا، ولو كان جازمًا وجَزمُه مطابقًا [1] .
(1) حكمُ الإنسان على الأشياء، وهو المصطلح عليه بالحكم الحادث، ينشأ عن أمور خمسة: علم، واعتقاد، وظن، وشك، ووهم. وبيان انحصاره فيها أن الحاكم بأمر على أمر ثبوتا أو نفيا إما أن يجد في نفسه الجزم بذلك الحكم بحيث لا يقبل الشك لا بالفعل ولا بالقوة أو لا، والحكم الغير الجازم إما أن يكون راجحا على مقابله أو مرجوحا أو مساويا. فأقسام الحكم الجازم اثنان، وغير الجازم ثلاثة. ويسمى الأول من قسمي الجزم علما ومعرفة ويقينا، والثاني اعتقادا. ويسمى الأول من أقسام غير الجزم ـ وهو الراجح ـ ظنا، والثاني ـ وهو المرجوح ـ وهمًا، والثالث ـ المتساوي ـ شكا. وإذا عرف هذا التقسيم، فالإيمان المطلوب شرعا إن حصل عن أقسام غير الجزم الثلاثة فالإجماع على بطلانه، وإن حصل عن القسم الأول من قسمي الجزم وهو العلم فالإجماع على صحته، وصاحبه يسمى عارفا. وأما القسم الثاني من أقسام الجزم وهو الاعتقاد، فينقسم قسمين: جزم مطابق لما في نفس الأمر ويسمى الاعتقاد الصحيح، وهو اعتقاد بعض عامة المؤمنين، وجزم غير مطابق ويسمى الاعتقاد الفاسد والجهل المركب، وذلك كاعتقاد الكفار، وصاحب هذا الاعتقاد مجمع على كفره وأنه آثم غير معذور مخلد في النار اجتهد أو قلد، وذلك نظرا لصحة وسهولة أدلة صحة دين الإسلام وحقيته. (عمدة المريد، للشيخ إبراهيم اللقاني)