نعم، لا ينبغي أن يقال: مريدُ الكفر والمعاصي, - مع أن المعتقَد كذلك - أدبًا مع الفاعل المختار. أرأيت لو طلع أحد على بعض الملوك الحوادث فجعل يقول: مولانا الملك سفَك الدماء وسجن وفعل كذا وكذا، فلا شك أن ما قاله سوء أدب وإن كان السلطان قد فعل جميع ما قال. وبهذا يتبين لك معنى ما ورد في الحديث: «والشر ليس إليك» [1] .
(وعلمه) تعالى القديم الأزلي، المتعلِّق بجميع الواجبات والجائزات والمستحيلات؛ قال تعالى: {أحاط بكل شيء علما} [الطلاق: 12] {وأحصى كل شيء عددًا} [الجنّ: 28] {وهو بكل شيء عليم} [الحديد: 3] . وإنما تعلَّق بالواجبات والمستحيلات لأنه ليس من صفات التأثير، إذ الصفة يجب لها عموم التعلق بكل ما صلحت له.
هذا، والدليل القطعي أنه تعالى لو لم يتصف بالعلم لاتصف بضده، وهو محال لما يلزم عليه من عدم وجود الحوادث؛ إذ لو انتفى العلم لانتفت الإرادة، ولو انتفت الإرادة لانتفت القدرة فلا يوجد شيء من الحوادث. كيف وهو الذي خلق السموات والأرض؟ {ألا يعلم من خلق} [الملك: 14] .
والعلم: صفة أزلية قديمة, لها تعلق بالشيء على وجه الإحاطة به, على ما هو عليه دون سبق خفاء. هكذا عرَّفه بعضهم، وقوله"بالشيء"أي اللغوي، فلا يرِد أنّ الشيء هو الموجود.
(ولا يقال) فيه أنّه (مكتسَب) ولا ضروري؛ لما يلزم على الأوّل من سبق الجهل المستحيل عليه تعالى؛ إذ المكتسب هو الحاصل بعد النظر، فيكون عِلمُه تعالى حادثا، وتقدم استحالته.
وأما استحالة كون علمه تعالى ضروريا، فلأنه إما أن تقارنه حاجة أو
(1) أخرجه مسلم في صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، عن علي بن أبي طالب ونحوه.