فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 146

[كسب العباد لأفعالهم]

ثم ذكر الناظم مسألة الكسب التي وقع فيها الخلاف بين أهل الحق والجَبْرية والمعتزلة فقال: (وعندنا) معشر أهل الحق (للعبد كَسْبٌ) أي قدرة حادثة تقارن المقدور فقط ولا تؤثر فيه، ويعبَّر عنها بالاستطاعة أيضا، وهي عرَضٌ يخلقه الله للعبد عند إرادة الاكتساب، وهي شرط لأداء الفعل، وفي التكليف، ولذا قال: (كُلِّفَا) العبد به، يعني أن تلك القدرة الحادثة بها وقع التكليف الشرعي من الله تعالى للعبد.

وبهذا يظهر بطلان مذهب الجبرية القائلين بأن لا قدرة ولا كسب ولا اختيار، وأن العبد مجبور على كلّ حال، لا فرق عندهم بين حركة الاضطرار - كالمرتعش - وحركة الاختيار، ومذهبهم فاسد ظاهرُ الفساد لما فيه من إنكار المحسوس وإبطال الشرع, لأن العبد على مذهبهم لا كَسْبَ له أصلا ولا وُسْعَ، وقد قال الله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286] .

وهذا الكسب الذي أثبته أهل السنة لا تأثير له كما أشار إليه الناظم بقوله: (ولم يكن) ذلك العبد (مؤثِّرًا) بذلك الكسب الذي كُلِّف به في المقدور تأثير اختراع وخلق وإيجاد له؛ لقيام البرهان على انفراد الباري تعالى بالتأثير، لا مؤثر سواه في شيء ما عموما [1] ؛ {الله خالق كل شيء} [الزمر: 62] هل

= لا تتغيران ولا تتبدلان؛ وذلك لاستحالة التبدل والتغير على علم الله تعالى القديم؛ فالسعيد من مات على الإيمان، والشقي من مات على الكفر. أما عند أهل السنة الماتريدية فالسعيد هو المسلم، والشقي هو الكافر، وعلى هذا يتصور أن السعيد قد يشقى بأن يرتدّ بعد الإيمان، والشقي قد يسعد بأن يؤمن بعد الكفر، فالسعادة والشقاوة عندهم غير أزليتين بل تتغيران. ومن هنا كان الخلاف لفظيا لأن الأشاعرة لا يحيلون ارتداد المسلم ولا إسلام الكافر، والماتريدية لا يجوّزون على من علم الله موته على الإسلام الارتداد عنه، ولا على من علم الله موته على الكفر إسلامه.

(1) ... هذا هو معتقد أهل السنة من الأشاعرة، وهو انفراد الباري تعالى بالخلق والإيجاد لكل الممكنات التي من جملتها أفعال العباد، وقد قامت على حقيته البراهين العقلية وصرحت بإثباته الأدلة النقلية، فمن العقليات أن العبد لو كان خالقا وموجدا لأفعاله لكان عالما بتفاصيلها، ولما بطل أن يكون عالما بتفاصيلها بطل أن تكون أفعاله من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت