(فَلْتَعْلَما) أيها السنيُّ ذلك المذهب الحق الخارج من بين المذهبين الفاسدين, خروج لبنٍ خالص سائغ للشاربين, لتتبعه وتنبذ ما سواه من الأباطيل.
وما شرحنا عليه هو ما شرح عليه ابن الناظم، قال: وهذه النسخة هي التي أصلحها أستاذنا رحمه الله تعالى في المبيضة بيده، وهي أحسن من المتداول بين أيدي الناس. قال: وما منعني أن أشرح عليها إلا غيبة الأصل عني، كما نبه عليه بطُرَّة أصله. ومراده بالمتداول قوله:"به ولكن لا يؤثر فاعرفا".
وقد فُهِم مما تقدم ردّ مذهب القدرية والجبرية، لكن لمّا كان لا بُدَّ عندهم في ردِّ المذاهب من التصريح أشار إلى رد المذهبين الفاسدين بالتصريح، فقال ردًّا على الجبرية: (فليس) العبد (مجبورًا) جَبْرا يذهب معه الكسْبُ بالكلِّية وينتفي معه التكليفُ الشرعي، (ولا اختيارًا) له في أفعاله بحيث يكون مؤثرا فيها، بل هو مجبورٌ في قالب مختار [1] ،
= أو عدميا، أما عدم الاقتدار عن الإفصاح عن حقيقته بأكثر مما قيل، فلأنه من أسرار القدر، ومن الأمور الغائبة عن العقول، وهذا لا يضر ما دامت التفرقة قائمة بين الأفعال الاختيارية والاضطرارية، وما دامت النظريات المخالفة لنظرية الكسب باطلة لاستلزامها محالات عديدة كجعل خالق غير الله وغير ذلك.
(1) ظاهر هذه العبارة غامض، وربما تكون موهمة بإثبات الجبر المطلق، إلا أنه ليس كذلك؛ فالجبر نوعان: جبر مطلق: وهو الجبر الحسي الذي نفاه أهل السنة الأشاعرة وقال به الحمقى من الجبرية. وجبر مقيّد: وهو الجبر العقلي. وهذا لازم لجميع الفرق حتى على المعتزلة القائلين بأن العبد يخلق أفعال نفسه؛ لأنهم وإن أسندوها لقدرته الحادثة، إلا أنهم يعقلون أن تلك القدرة مخلوقة لله تعالى وليست من خلقه أو كسبه البتة، وحينئذ كل الفرق جبرية في المعنى، إلا أن الفرق بين الجبرين هو أن الجبر الذي قال به أهل الحق في الأفعال الاختيارية إنما يدركه العقل فقط دون الحس، والجبر الذي قال به الفرقة الملقبة بالجبرية على مقتضى أصولهم يدرك بالحس والعقل في الأفعال الاختيارية والاضطرارية، وقد علم بطلانه بالضرورة.