فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 146

وقوله: (لا يشاب بالعدم) ، في موضع الصفة لبقاء، أي وكما يجب له تعالى الوجود والقدم كذا يجب له بقاء لا يشوبه - أي لا يخالطه - عدم، بل لا نهاية له, لما عرفت من أنّ كلّ من ثبت قدمه استحال عدمه.

وبرهان وجوب البقاء لمولانا جل وعلا أنه تعالى لو لم يجب له البقاء لكان يقبَل الوجودَ والعدمَ، وكل من يقبل الوجود والعدم وجوده جائزٌ لا واجب، وكل من وجوده جائز فهو حادِث فيفتقر إلى من يُرَجِّح وجودَهُ على عدمه، فلو لم يكن تعالى باقيا لكان حادثا، وقد سبق قريبا استحالة الحدوث عليه تعالى ووجوب القدم له جل وعلا، فيلزم أن يكون باقيا لوجوب قدمه؛ إذ كل من ثبت قدمه استحال عدمه ووجب بقاؤه.

[صفة المخالَفة للحوادث]

(وأنه) تعالى (لما) أي للذي (ينال) ينالُه بمعنى يلحقُه (العدم) وهو الحوادث (مخالِفٌ) خبر"أنه". يعني أنه تعالى مخالِفٌ لجميع الحوادث، فقوله:"لِمَا"يتعلق بـ"مُخَالِفٌ".

ومعنى المخالَفة للحوادث, نفي الجِرْمِيَّة والعَرَضِيَّة عنه تعالى؛ أي ليس هو تعالى جِرْمًا ولا عَرَضًا [1] قائمًا بالجرم، ولا يوصف تعالى بحركة ولا سكون، ولا بمكان ولا بزمان، ولا جهة من الجهات الست وهي: أمام، وخلف، ويمين، وشمال، وفوق، وتحت. فليس له تعالى جهة، ولا هو كائن في جهة من الجهات.

وينزّه مولانا عن الكيف، وعن الكِبر والصغر، وعن القرب والبعد بالمسافة ـ وأما بالعلم والسمع والبصر فهو {أقرب إليه من حبل الوريد} [ق: 16] ـ لأن جميع ذلك من صفات الحوادث، ومولانا منزه عن مشابهة الحوادث.

(1) العَرَضُ في اللغة: عبارة عما يَعْرِضُ ويزول ولا يبقى، ومنه قوله تعالى: {تريدون عَرَضَ الحياة الدنيا والله يريد الآخرة} [الأنفال: 8] ، وأما في اصطلاح علماء العقيدة فهو يدل على ما لا يقوم بذاته، أو المفتقر إلى ذات يقوم بها، وذلك كالألوان والروائح والحركة والسكون إلخ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت