وقد شهد بذلك لنفسه تعالى في كتابه فقال: {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد} [فاطر: 15] وقال جل من قائل: {والله الغنيّ وأنتم الفقراء} [محمد: 38] و {هو الغني الحميد} [لقمان: 26] .
(وحدانية) : هذه الصفة السادسة من صفاته تعالى العشرين، وهي الخامسة من السلبية، وهي آخرها، وهي واجبة لمولانا في الذات والصفات والأفعال.
فأمّا وحدانية الذات, فهي عبارة عن نفي الكمِّ المتَّصِل والكم المنْفَصِل.
ومعنى الكم المتصل: أن تكون ذاته مركَّبة من أجزاء - تعالى الله عن ذلك -.
والكم المنفصل: عبارة عن وجود نظيرٍ له تعالى في ذاته أو صفاته أو في أفعاله.
فالوحدة في حقه تعالى عبارة عن نفي الكثرة في الذات والصفات والأفعال:
فنفي الكثرة في الذات يستلزم أن لا يكون جسمًا يقبل الانقسام، ويستلزم نفي نظير له في الألوهية.
ونفي الكثرة في الصفات يستلزم نفي النظير فيها، أي نفي أن يكون أحدٌ متصفا بمثل القدرة والإرادة ونحوهما من صفات الألوهية.
ونفي الكثرة في الأفعال يستلزم انفراده تعالى بها، فلا قسيم له فيها.
ومن هنا تعلم أن لا تأثير لشيء من العاديَّات ممّا جرت عادة الإله وسُنَّتُه أن يخلق عندها الشيء مقترِنا بها؛ كإيجاده تعالى الرّي عند الشرب، والشبع عند الأكل، والقطع عند اقتران السكين بالمقطوع أو المذبوح، واحتراق الشيء عند ملاقاة النار له، فهذه الأشياء وما ماثلها لا تأثير لها فيما قارنَته البتة بدليل انفراده تعالى بالفعل؛ {ألا له الخلق والأمر} [الأعراف: 54] ، وبصحة تخلُّفِه كما وقع وشوهد، شاهدٌ على ذلك: {الله خالق كل شيء} [الزمر: 62] و {هل من خالق غير الله} [فاطر: 3] .