فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 146

[النظر: وسيلة المعرفة]

15 -فَانْظُرْ إِلَى نَفْسِكَ ثُمَّ انْتَقِلِ ... لِلْعَالَمِ العُلْوُيِّ ثُمَّ السُّفْلِي

16 -تَجِدْ بِهِ صُنْعًا بَدِيعَ الحِكَمِ ... لَكِنْ بِهِ قَامَ دَلِيلُ العَدَمِ

17 -وَكُلُّ مَا جَازَ عَلَيهِ العَدَمُ ... عَلَيْهِ قَطْعًا يَسْتَحِيلُ القِدَمُ

[النظر في النفس]

ولمّا ذكر المصنف أنّ أوّل واجب المعرفة، وكان النظر وسيلة يتوصل به إليها، فقال آمرا للمكلف: (فانظر) يا أيها المكلَّف نظر اعتبار وتدبر واستبصار، لتصل بذلك إلى معرفة الواحد القهار.

والنظر: الفكر في حال الشيء المنظور فيه، كما إذا نظرت (إلى نفسك) أي ذاتك التي هي أقرب الأشياء إليك، فتجدها جِرمًا [1] تلازمُه أعراض حادثة لا تنفك عنها، فتعلم على الضرورة أنك لم تكن شيئا، ثم وُجِدت وصِرت شيئا، فتعلم أن لك مُوجدًا أوجدك؛ لاستحالة أن توجد نفسك؛ لإحساسك بالعجز من نفسك، فيتعين أن يكون لك موجد واجب لذاته قادر أوجدك بقدرته؛ لاستحالة وجود الشيء من غير مُوجِدٍ؛ لِما يلزم عليه من ترجيح أحد المتساويين على مساويه بلا مرجح، وهو محال.

مثاله في الشاهد: كفتا الميزان إذا نظرت إليها متساويتين، ثم أعدت النظر إليهما فرأيت إحداهما نازلة راجحة على الأخرى، فمن المعلوم أن العقل يحكم بالبديهة أنه لا بد من سبب اقتضى ذلك، فكذا نفسك وجميع ما ماثلك من العالَم حيث كانت عدمًا فترجّح وجودها على عدمها. قال الله جل ذكره: {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} [الذاريات: 21] أي: آيات أفلا تبصرون إليها فتستدلون بها على الصانع الحكيم!؟

(1) الجِرْمُ: هو كل ما ملأ قدرًا من الفراغ بحيث يمنع غيره أن يحل فيه، كالحجر والشجر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت