والوعد إذا أطلق يصرف للخير، والوعيد للشر. قال الشاعر:
وإنّي إذا أوعدته أو وعدته::: لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
ثم أشار إلى مسألة أخرى مختلَف فيها أيضا، وهي أن (فوز السعيد) ، أي ظفَره بحسن الخاتمة ودخول الجنة، (عنده) أي (في الأزل) ، يعني أنه أزلي لا يتبدل ولا يتغير.
والأزل عبارة عن نفي الأولية؛ قال - صلى الله عليه وسلم: «السعيد من سعد في بطن أمه» أي ولو كفَر، ولو تناول المعاصي، فلا يضُرُّه مع سلامة المآل لأن اللاحقة تابعة للسابقة، فمن سبق له في الأزل أنه سعيد يموت على الإيمان.
و (كذا الشقي) أي شقاؤه سابق في الأزل لا يتبدل؛ قال عليه الصلاة والسلام: «والشقي من شقِي في بطن أمه» [1] ولو أسلم وأطاع لأن اللاحقة تتبع السابقة؛ بأن يختم له بسوء الختام. أعاذنا الله وحفظ علينا الإيمان إلى أن نلقاه وهو راض عنا، آمين، بجاه أفضل العالمين سيدنا ومولانا محمد - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما.
ولذا قال: (ثم لم ينتقل) كل منهما لاستحالة التبدُّلِ على العلم القديم.
وذهبت الماتريدية إلى أن السعيد قد يشقى، والشقي قد يسعد؛ بأن يكون الأوَّل على حالة ترضي ظاهرا فيتحول، والثاني على حالة لا ترضي فيختم له بالخير، والخلف لفظي [2] .
= معناه أن هذا الجزاء سببه القتل ما دام القتل جريمة، ومن الجائز غفرانه بالتوبة عملا بقوله تعالى: {إلا من تاب وآمن} إلخ، أو بدونها عملا بقوله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} ، {إن الله يغفر الذنوب جميعا} ، وحينئذ فلا جريمة فلا جزاء. (عمدة المريد، للشيخ إبراهيم اللقاني)
(1) ... أخرجه مسلم عن ابن مسعود في القدر، باب كيفية الخلق الآدمي. ولفظه عنده:"الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره". وجملة:"والسعيد من سعد في بطن أمه"أخرجها الطبراني في الصغير، وإتحاف السادة المتقين للزبيدي، والدرر المنتثرة للسيوطي، والشهاب في مسنده. (موسوعة أطراف الحديث النبوي: 5/ 272)
(2) السعادة والشقاوة أزليتان عند أهل السنة الأشاعرة، بمعنى أنهما مقدّرتان في الأزل