قال الإمام الجنيد - رضي الله عنه: التوحيد الأكبر هو قول الصديق:"سبحان من جعل العجز عن إدراكه هو عين معرفته" [1] . وقال تعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى: 11] ، فأفادت هذه الآية الشريفة نَفْيَ المماثلة لشيء عن ذاته وعن صفاته؛ لأنّ أوّلها تنزيه وعَجُزها إثبات.
وحكمة تقديم السلب على الإثبات في الآية - وإن كان الكثير عكسه وهو تقديم الإثبات على السلب - نفيُ أن يسبِق إلى الوهم أنّ صفاته تعالى وسمعه وبصره كسمع الحوادث وبصرهم، أي خشية أن يسبق للذهن ابتداءً أن سمْعه بأذن وبصره بحدقة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
وكذا مما يدل على تنزيه مولانا عن مماثلة الحوادث, سورة الإخلاص؛ إذ فيها ثبوت الوحدانية لمولانا في الألوهية، ونفي أن يكون له كفؤا ونظيرا، فقد روي أن المشركين قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم: انعت لنا ربك أو صفه لنا، فنزلت: {قل} يا محمد للمشركين {هو الله} الواجب الوجود، الحي المعبود، الموصوف بصفات الألوهية، المختص بها، التي لا يشاركه فيها غيره، {هل تعلم له سميا} [مريم: 65] {أحد} : واحد في الذات والصفات والأفعال، {الله الصمد} : المقصود في جميع المهمات، المحتاج إليه ابتداءً ودواما، {لم يلد} : ليس له ولد {أنّى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة} [الأنعام: 101] {ولم يولد} : ليس له والِد، بل وجوده من ذاته لا من غيره، {ولم يكن له كفؤا أحد} أي ليس له نظير في الألوهية [2] .
(1) والمنقول أيضا عن أبي بكر - رضي الله عنه - قوله:"العجزُ عن درْكِ الإدراك إدراكٌ"، والدَّرْكُ: أقصى قعر الشيء كالبحر ونحوه، وعلى هذا يكون المراد بدرك الإدراك: أقصى مراتب الإدراك، وهو إدراكه تعالى بالكُنْه. وقيل في تفسيره: إن عجْزَ العقول عن درْكِ كُنْهِ الواجب تعالى وامتناع حصوله لها، إدراكٌ لها إياهُ تعالى بعنوان تمايُزِه بهذا العنوان عن جميع ما سواه، وهو أن يمتنع إدراكُ كُنْهِهِ، بخلاف ما سواه.
(2) الحديث أخرجه الترمذي في التفسير، باب سورة الإخلاص. عن أبي بن كعب أنّ المشركين قالوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم: أنسب لنا ربك؛ فأنزل الله: {قل هو الله أحد الله الصمد} فالصمد الذي {لم يلد ولم يولد} لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت، ولا شيء يموت إلا سيورث، وإنّ الله لا يموت ولا يورث. {ولم يكن له كفؤا أحد}