فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 146

من خالق غير الله [فاطر: 3] {والله خلقكم وما تعملون} [الصافات: 96] .

وبهذا يتبين بطلان مذهب القدرية مجوس هذه الأمة، القائلين بأنّ القدرة الحادثة تؤثِّر فيما تقارنه، فأثبتوا التأثير لغير القدرة القديمة، وجعلوا القدرة الحادثة أنفذ من القدرة القديمة فيما تعلقت به، وإرادة العبد أنفذ من إرادة خالقه، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. ومذهبهم أيضا واضح البطلان، وهم أسوأ حالا من الجبرية.

والحق: مذهب أهل السنة رضي الله عنهم من أن للعبد كسبا، أي قدرة حادثة تقارن المقدور الحادث ولا تؤثر فيه، وإنما مولانا جل وعلا يخلق بقدرته عند ذلك الاقتران ما شاء. [1]

= خلقه واختراعه؛ بيان ذلك أن الإتيان بالأزيد والأنقص وغير ذلك من المتقابلات في أفعال العباد ممكن، فلا بد لرجحان بروز أحدها إلى الوجود على الآخر من مخصص، وهو القصد إليه، ولا يتصور ذلك القصد إلا بعد الإحاطة العلمية التامة بكل المتقابلات والحقائق المختلفات، وليس ذلك إلا للعلم الإلهي القديم، ومن هنا استدل على عالمية الله تعالى بفاعليته الاختيارية للعالم. أما الإنسان، فالماشي مثلا يقطع مسافة معينة في زمان معين من غير شعور له بتفاصيل الأجزاء والأحياز التي بين المبتدأ والمنتهى، ولا بالآنات التي منها يتألف ذلك الزمان ولا بالسكنات التي يتخللها، والكاتب لصورة الحروف والكلمات متحرك الأنامل من غير شعور له بما لعظام وأعصاب وعضلات أنامله من تفاصيل حركاتها وأوضاعها التي بها تأتي تلك الصورة والنقوش، وغير ذلك من الأمثلة، وليس هذا ذهولا عن العلم، بل لو سئل أو تكلف ضبط ذلك على التفصيل لما استطاع، فبطل أن يكون الإنسان هو المؤثر فيها تأثير إخراج من العدم إلى الوجود. (عمدة المريد، للشيخ إبراهيم اللقاني)

(1) استطاع أهل السنة الأشاعرة بنظرية الكسب التوسط في الاعتقاد، وبلوغ المراد من إثبات أن للعبد أفعالا اختيارية صادرة عن قصده وإرادته، ومن الحفاظ على موجبات ألوهية الله تعالى من الانفراد بخلق الأفعال وإيجادها، فبعد أن ثبت بالبرهان أن لا خالق إلا الله تعالى، وثبت بالضرورة أن لقدرة العبد وإرادته مدخلا في بعض الأفعال الاختيارية، دون البعض كالأفعال الاضطرارية، أثبتوا لله تعالى خلقا وللعبد كسبا، وبيانه أن صرف العبد قدرته وإرادته إلى الفعل المعين كَسْبٌ، وإيجادُ الله تعالى ذلك الفعل ـ بإخراجه من العدم إلى الوجود ـ عقب ذلك خَلْقٌ، والمقدور الواحد داخل تحت قدرتين بجهتين مختلفتين، قدرة الله تعالى بجهة الخلق، وقدرة العبد بجهة الكسب. وهذا القدر من المعنى ضروري، والكسب على هذا ليس أمرا وهميا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت