على نفي العدم السابق - الذي هو معنى القِدم - وعلى نفي العدم اللاحق - الذي هو معنى البقاء - بالالتزام [1] .
وأمّا برهان وجوب القِدم لمولانا جلّ وعزّ، فإنه لمّا ثبت وجوب الوجود لمولانا تعالى بوجوب افتقار جميع الكائنات إليه وجب أن يكون قديمًا، إذ لو لم يكن قديما لكان حادثا، إذ لا واسطة بينهما لوجوب انحصار كل موجود في القِدم والحدوث، فمتى ثبت أحدهما تعين انتفاء الآخر لأنهما ضدان، والضدان لا يجتمعان ولا يرتفعان؛ فإذن لو انتفى عن مولانا القِدم - تعالى عن ذلك علوا كبيرا - لثبت له ضده وهو الحدوث.
ولو كان حادثا لافتقر إلى محدِث, لوجوب افتقارِ كلّ حادثٍ إلى محدِث, كما تقدم في برهان الوجود، وننقل الكلام إلى ذلك المحدِث فيلزم فيه ما لزم الأوّل الذي قبله من الافتقار إلى محدِث وهلمّ جرا. ثم إن كان العدد غير محصور، وكان قبل كل محدِث محدِث لزم التسلسل، وهو محال لما يلزم عليه من الفراغ وعدم النهاية [2] ،
وحوادث لا أوّل لها محال لا يعقل؛ لأنّ معنى قولنا حوادث هو أنّ لها أوّلا، إذ حقيقة الحادث هو المسبوق بعدم فيكون له أول، فإذا قلت لا أول له جاء التناقض وهو محال.
وإن كان العدد محصورا لزم الدور، وهو أيضا مستحيل لما يلزم عليه من تقدم الشيء على نفسه ومن تأخّره على نفسه أيضا:
(1) دلالة الالتزام: دلالة اللفظ على أمر خارج عن المعنى لازم له، كدلالة الإنسان على قبول العلم وصنعة الكتابة. وسميت دلالة التزام لأن المفهوم خارج عن المعنى لازم له ذهنا وإن لم يكن في الخارج. (المصدر السابق)
(2) قال الشيخ السنوسي في شرح الكبرى: يلزم على وجود حوادث لا أول لها أن يكون دَخلَ في الوجود وفرَغَ من حركات الأفلاك وأشخاص الحيوان ونحوها على الترتيب واحدًا بعد واحد عَدَدٌ لا نهاية له، والجمع بين الفراغ وعدم النهاية جمع بين متناقضين، فيكون محالا على الضرورة، ويلزم عليه أن يكون وجودُنا ووجود سائر الحوادث الآن محالًا لتوقُّفِه على المحال، وهو فراغ ما لا نهاية له. (عمدة أهل التوفيق والتسديد في شرح عقيدة أهل التوحيد للسنوسي، ص: 37)