(و) كذا مما يجب في حقهم (صدقهم) أي مطابقة كل ما يخبرون به للواقع.
والدليل على صدقهم أنّهم لو لم يصدُقوا للزم كذب الله الذي صدّقهم بالمعجزات القائمة مقام قوله تعالى صدَقَ عبدي في كل ما يبلّغ عنّي، ومن صدَّق الكاذب مع علمه بأنه كاذب فهو أيضا كاذب، والكذب على الله محال لأنّ خبره تعالى موافق لعلمه، وعلمُه تعالى لا يتبدّل ولا يتغير بحال من الأحوال، فوجب صدق الرسل.
(وضِف) أي ضمّ (له) أي للواجب في حقهم (الفطانة) أي قوة الفهم والحذاقة وزيادة الذّكاء؛ لأنّه اللائق برتبتهم العلية ودرجتهم السنيّة. ومن هنا تعرف استحالة السهو والذهول والغفلة والنسيان عليهم قبل التبليغ، وأمّا بعده فيجوز عليهم النسيان، لكن لا يُقَرُّون عليه.
(ومثل ذا) الواجب العقلي المتقدم (تبليغهم) عليهم الصلاة والسلام، أي توصيلهم (لما أتوا) أي جاءوا به، أي أمروا بتبليغه للخلق، فيجب عليهم تبليغه، ويجب اعتقاد أنهم بلَّغوه ولم يتركوا شيئا من ذلك، لا عمدا ولا نسيانا.
وقد شهد الله تعالى بكمال التبليغ لنبينا - صلى الله عليه وسلم - فقال: {اليوم أكملت لكم دينكم} [المائدة: 3] الآية. ولعصمتهم من كل منهي عنه لقوله تعالى: {يا أيها الرسول بلِّغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} [المائدة: 67] .
ولو كان - صلى الله عليه وسلم - كاتما شيئا - وحاشاه الله من ذلك - لكتم قوله تعالى: {وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه} [الأحزاب: 37] وآية"عبس"، لكنه - صلى الله عليه وسلم - معصوم من ذلك فلا يجوز عليه الكتمان ولا غيره من المنهيات.