فهرس الكتاب
فَقَالَ لَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: بِئْسَ مَا قُلْتَ, وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ, مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلاَّ خَيْرًا, فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليه وسَلم, فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ, رَأَى رَجُلًا مُبَيِّضًا يَزُولُ بِهِ السَّرَابُ, فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليه وسَلم: كُنْ أَبَا خَيْثَمَةَ, فَإِذَا هُوَ أَبُو خَيْثَمَةَ الأَنْصَارِيُّ, وَهُوَ الَّذِي تَصَدَّقَ بِصَاعِ التَّمْرِ حِينَ لَمَزَهُ الْمُنَافِقُونَ.
فَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: فَلَمَّا بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلى الله عَليه وسَلم قَدْ تَوَجَّهَ قَافِلًا مِنْ تَبُوكَ, حَضَرَنِي بَثِّي, فَطَفِقْتُ أَتَذَكَّرُ الْكَذِبَ وَأَقُولُ: بِمَ أَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ (1) غَدًا؟ وَأَسْتَعِينُ عَلَى ذَلِكَ كُلَّ ذِي رَأْيٍ مِنْ أَهْلِي, فَلَمَّا قِيلَ لِي (2) : إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلى الله عَليه وسَلم قَدْ أَظَلَّ قَادِمًا, زَاحَ عَنِّي الْبَاطِلُ, حَتَّى عَرَفْتُ أَنِّي لَنْ أَنْجُوَ مِنْهُ بِشَيْءٍ أَبَدًا, فَأَجْمَعْتُ صِدْقَهُ, وَصَبَّحَ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليه وسَلم قَادِمًا, وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ, بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ, فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ, ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ, فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ, جَاءَهُ الْمُخَلَّفُونَ, فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ, وَيَحْلِفُونَ لَهُ, وَكَانُوا بِضْعَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا, فَقَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليه وسَلم عَلاَنِيَتَهُمْ, وَبَايَعَهُمْ, وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ, وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللهِ, حَتَّى جِئْتُ, فَلَمَّا سَلَّمْتُ تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ الْمُغْضَبِ, ثُمَّ قَالَ: تَعَالَ, فَجِئْتُ أَمْشِي حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ, فَقَالَ لِي: مَا خَلَّفَكَ؟ أَلَمْ تَكُنْ قَدِ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ؟
(1) في طبعة دار التأصيل (2871) : «سخطته» .
(2) قوله: «لي» , لم يرد في طبعة دار التأصيل.