وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي تَوْبِيخِ قَوْمٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ أَحَدُهُمْ يَفْتَخِرُ بِالْفِعْلِ مِنْ أَفْعَالِ الْخَيْرِ الَّتِي لَمْ يَفْعَلْهَا، فَيَقُولُ فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَعَذَلَهُمُ اللَّهُ عَلَى افْتِخَارِهِمْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا كَذِبًا.
عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: {لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّهَا كَانَتْ فِي الْجِهَادِ، كَانَ الرَّجُلُ يَقُولُ: قَاتَلْتُ وَفَعَلْتُ، وَلَمْ يَكُنْ فَعَلَ، فَوَعَظَهُمُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ أَشَدَّ الْمَوْعِظَةِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هَذَا تَوْبِيخٌ مِنَ اللَّهِ لِقَوْمٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، كَانُوا يَعِدُونَ الْمُؤْمِنِينَ النَّصْرَ وَهُمْ كَاذِبُونَ.
وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بتَأْوِيلِ الْآيَةِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: عَنَى بِهَا الَّذِينَ قَالُوا: لَوْ عَرَفْنَا أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ لَعَمِلْنَا بِهِ، ثُمَّ قَصَّرُوا فِي الْعَمَلِ بَعْدَمَا عَرَفُوا.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: هَذَا الْقَوْلُ أَوْلَى بِهَا، لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ خَاطَبَ بِهَا الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا؛ وَلَوْ كَانَتْ نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ لَمْ يُسَمُّوا، وَلَمْ يُوصَفُوا بِالْإِيمَانِ، وَلَوْ كَانُوا وَصَفُوا أَنْفُسَهُمْ بِفِعْلِ مَا لَمْ يَكُونُوا فَعَلُوهُ، كَانُوا قَدْ تَعَمَّدُوا قِيلَ الْكَذِبِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ صِفَةَ الْقَوْمِ، وَلَكِنَّهُمْ عِنْدِي أَمَّلُوا بِقَوْلِهِمْ: لَوْ عَلِمْنَا أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ عَمِلْنَاهُ أَنَّهُمْ لَوْ عَلِمُوا بِذَلِكَ عَمِلُوهُ؛ فَلَمَّا عَلِمُوا ضَعُفَتْ قُوَى قَوْمٍ مِنْهُمْ، عَنِ الْقِيَامِ بِمَا أَمَّلُوا الْقِيَامَ بِهِ قَبْلَ الْعِلْمِ، وَقَوِيَ آخَرُونَ فَقَامُوا بِهِ، وَكَانَ لَهُمُ الْفَضْلُ وَالشَّرَفُ.
وَاخْتَلَفَتْ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ، وَفِي وَجْهِ نَصْبِ قَوْلِهِ: {كَبُرَ مَقْتًا} فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّ الْبَصْرَةِ: قَالَ: {كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ} أَيْ: كَبُرَ مَقْتُكُمْ مَقْتًا. ثُمَّ قَالَ: {أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} أَذَى قَوْلِكُمْ.