فقال ألب أرسلان: يا معشر أهل الإسلام أمهلوا، فإن هذا يوم الجمعة، والمسلمون يخطبون المنابر، ويدعون لنا في شرق البلاد وغربها، فإذا زالت الشمس، وعلمنا أن المسلمين قد صلّوا، ودعوا الله أن ينصر دينه حملنا عليهم إذ ذاك، وكان ألب أرسلان قد عرف خيمة ملك الروم وعلامته وزيه وزينته وفرسه، ثم قال لرجاله: لا يتخلف أحد منكم أن يفعل كفعلي، ويتبع أثري، ويضرب بسيفه، ويرمي سهمه حيث أضرب بسيفي، وأرمي بسهمي، ثم حمل برجاله حملة رجل واحد إلى خيمة ملك الروم، فقتلوا من كان دونها، ووصلوا إلى الملك، فقتلوا من كان دونه، وجعلوا ينادون بلسان الروم قتل الملك قتل الملك، فسمعت الروم أن ملكهم قد قتل فتبددوا، وتمزقوا كل بمزق، وعمل السيف فيهم أياما، وأخذ المسلمون أموالهم، وغنائمهم، وأتوا بالملك أسيرا بين يدي ألب أرسلان والحبل في عنقه.
فقال له ألب أرسلان: ماذا كنت تصنع بي لو أسرتني؟
قال: وهل تشك أنني كنت أقتلك، فقال له ألب أرسلان:
أنت أقل في عيني من أن أقتلك اذهبوا به، فبيعوه لمن يزيد فيه، فكان يقاد والحبل في عنقه، وينادى عليه من يشتري ملك الروم، وما زالوا كذلك يطوفون به على الخيام، ومنازل المسلمين، وينادون عليه بالدراهم والفلوس، فلم يدفع فيه أحد شيئا، حتى باعوه من إنسان بكلب، فأخذه الذي ينادي عليه، وأخذ الكلب، وأتى بهما إلى ألب أرسلان، وقال: قد طفت به جميع العسكر، وناديت عليه، فلم يبذل أحد فيه شيئا سوى رجل واحد دفع فيه هذا الكلب، فقال: قد أنصفك إن الكلب خير منه، ثم أمر ألب أرسلان بعد ذلك بإطلاقه وذهب إلى القسطنطينية، فعزلته الروم، وكحّلوه بالنار.
فانظر ماذا يأتي على الملوك إذا عرفوا في الحرب من الحيلة والمكيدة. اللهم انصر جيوش المسلمين وعساكر الموحدين، وأهلك الكفرة، والمشركين، وانصر المسلمين نصرا عزيزا برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين. انتهى انتهى {المستطرف في كل فن مستظرف، للأبشيهي} ...