وما أثير حول هذا الحديث من شبه ليست جديدة في الحقيقة ،
وإنما هي شبه قديمة أثارها أهل الزيغ والابتداع من قديم الزمان ،
ورددها من جاء بعدهم ،
فقد ذكر الإمام ابن قتيبة رحمه الله في كتابه"تأويل مختلف الحديث"
هذه الحديث من ضمن الأحاديث التي طعن فيها النظَّام وأمثاله
من أئمة الاعتزال الذين لا يقيمون وزنًا للأحاديث والسنن ،
وزعم الجصاص أنه من وضع الملحدين ،
وادعى أبو بكر الأصم أنه متروك ومخالف لنص القرآن .
ثم جاء بعض المعاصرين فتلقفوا هذه الآراء ،
ورددوها تحت مسمى تحكيم العقل ، وطرح كل ما يتعارض مع مسلماته وثوابته ،
ويمكن تلخيص الشبه المثارة حول الحديث في ثلاثة أمور .
الأول: أن الحديث وإن رواه البخاري و مسلم
فهو حديث آحادي ،
لا يؤخذ به في العقائد ، وعصمة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من تأثير السحر في عقله ، عقيدة من العقائد ،
فلا يؤخذ في إثبات ما يخالفها إلا باليقين كالحديث المتواتر ،
ولا يكتفي في ذلك بالظن .
والثاني: أن الحديث يخالف القرآن الكريم الذي هو متواتر ويقيني ،
في نفي السحر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ،
فالقرآن نعى على المشركين ووبخهم على نسبتهم إثبات السحر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -
فقال سبحانه: وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا *
انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا ( الفرقان 8 - 9) ،
وقال جل وعلا: نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك
وإذ هم نجوى إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا * انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا
فلا يستطيعون سبيلا ( الإسراء 47 - 48) .
الثالث: أنه لو جاز على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ
أن يتخيل أنه يفعل الشيء وما فعله ، لجاز عليه أن يظن أنه بلَّغ شيئًا وهو لم يبلِّغه ، أو أن شيئًا ينزل عليه ولم ينزل
عليه ، وهو أمر مستحيل في حقه صلى الله عليه وسلم
لأنه يتنافى مع عصمته في الرسالة والبلاغ .