فهرس الكتاب
ودل ذلك على أن محمدًا صلى الله عليه وسلم وأمته من بعده إنما يعبدون الله ويطيعون أمره ، لا يريدون ما يريده غيرهم من العلو في الأرض ، ولا يريدون أيضا ما أبيح لبعض الأنبياء من الملك . فإن الله خير محمدًا بين أن يكون عبدًا ورسولًا وبين أن يكون ملكا نبيا فاختار أن يكون عبدًا رسولًا .
وتولية أبى بكر وعمر بعده من تمام ذلك ؛ فإنه لو قدم أحدًا من أهل بيته لكانت شبهة لمن يظن أنه كان ملكا ، كما أنه لو ورث مالا لورثته لكانت شبهة لمن يظن أنه جمع المال لورثته . فلما لم يستخلف أحدًا من أهل بيته ولا خلف لهم مالا، كان هذا مما يبين أنه كان من أبعد الناس عن طلب الرياسة والمال ، وإن كان ذلك مباحا ، وأنه لم يكن من الملوك الأنبياء ، بل كان عبد الله ورسوله .
كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:"إنى والله لا أعطى أحدا ولا أمنع أحدا ، وإنما أنا قاسم أضع حيث أمرت".
وقال:"إن ربى خيرنى بين أن أكون عبدًا رسولا ً أو نبيا ملكا ، فقلت: بل عبدا رسولا".
وإذا كان هذا مما دل على تنزيهه عن كونه من ملوك الأنبياء ، فدلالة ذلك على نبوته ونزاهته عن الكذب والظلم أعظم وأعظم . ولو تولى بعده على أو واحد من أهل بيته لم تحصل هذه المصالح والإلطافات العظيمة .
وأيضًا فإنه من المعلوم أن الإسلام في زمن علىّ كان أظهر وأكثر مما كان في خلافة أبى بكر وعمر وكان الذين قاتلهم علىّ أبعد عن الكفر من الذين قاتلهم أبو بكر وعمر ؛ فإن أبا بكر قاتل المرتدين وأهل الكتاب ، مع ما حصل للمسلمين بموت النبي صلى الله عليه وسلم من الضعف العظيم ، وما حصل من الارتداد لأكثر البوادى ، وضعف قلوب أهل الأمصار ، وشك كثير منهم في جهاد مانعى الزكاة وغيرهم .