فهرس الكتاب
ثم عمر تولى قتال أمتين عظيمتين ، لم يكن في العادة المعروفة أن أهل الحجاز واليمن يقهرونهم وهما فارس والروم ، فقهرهم وفتح بلادهم . وتمم عثمان ما تمم من فتح المشرق والمغرب ، ثم فتح بعد ذلك في خلافة بنى أمية ما فتح بالمشرق والمغرب كما وراء النهر والأندلس وغيرهما مما فتح في خلافة عبد الملك .
فمعلوم أنه لو تولى غير أبى بكر وعمر بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم ، مثل علىّ أو عثمان ، لم يمكنه أن يفعل ما فعلا ؛ فإن عثمان لم يفعل ما فعلا ، مع قوة الإسلام في زمانه ، وعلىّ كان أعجز من عثمان ، وكان أعوانه أكثر من أعوانهما ، وعدوه أقل وأقرب إلى الإسلام من عدوهما ، ومع هذا فلم يقهر عدوه ، فكيف كان يمكنه قهر المرتدين وقهر فارس والروم ، مع قلة الأعوان وقوة العدو ؟!
وهذا مما يبين فضل أبى بكر وعمر ، وتمام نعمة الله بهما على محمد صلى الله عليه وسلم وعلى الناس بعده ، وأن من أعظم نعم الله تولية أبى بكر وعمر بعد النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فإنه لو تولى غيرهما كان لم يفعل ما فعلا ، إما لعدم القدرة ، وإما لعدم الإرادة.
فإنه إذا قيل: لِمَ لمْ يغلب علىّ معاوية وأصحابة ؟ فلابد أن يكون سبب ذلك: إما عدم كمال القدرة ، وإما عدم كمال الإرادة . وإلا فمع كمال القدرة وكمال الإرادة يجب وجود الفعل ، ومن تمام القدرة طاعة الأتباع له ، ومن تمام الإرادة إرادة ما هو الأصلح الأنفع الأرضى لله ولرسوله .
وأبو بكر وعمر كانت قدرتهما أكمل ، وإرادتهما أفضل . فبهذا نصر الله بهما الإسلام ، وأذل بهما الكفر والنفاق ، وعلى رضي الله عنه لم يؤت من كمال القدرة والإرادة ما أوتيا .