ومن الدلائل الدالة على فساده أن يقال: من المعلوم بالاضطرار ، والمتواتر من الأخبار ، أن المهاجرين هاجروا من مكة وغيرها إلى المدينة، وهاجر طائفة منهم ، كعمر وعثمان وجعفر بن أبى طالب ، هجرتين: هجرة إلى الحبشة ، وهجرة إلى المدينة ، وكان الإسلام إذ ذاك قليلا ، والكفار مستولون على عامة الأرض ، وكانوا يؤذون بمكة ويلقون من أقاربهم وغيرهم من المشركين من الأذى ما لا يعلمه إلا الله ، وهم صابرون على الأذى ، متجرعون لمرارة البلوى ، وفارقوا الأوطان ، وهجروا الخلان لمحبة الله ورسوله والجهاد في سبيله ، كما وصفهم الله تعالى بقوله:
"لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ" ( سورة الحشر: 8 ) .
وهذا كله فعلوه طوعا واختيارا من تلقاء أنفسهم ، لم يكرههم عليه مكره ، ولا ألجأهم إليه أحد ؛ فإنه لم يكن للإسلام إذ ذاك من القوة ما يكره به أحد على الإسلام ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذ ذاك ـ هو ومن اتبعه ـ منهيين عن القتال ، مأمورين بالصفح والصبر ، فلم يسلم أحد إلا باختياره ، ولا هاجر أحد إلا باختياره.
ولهذا قال أحمد بن حنبل وغيره من العلماء: إنه لم يكن من المهاجرين من نافق ، وإنما كان النفاق في قبائل الأنصار لما ظهر الإسلام بالمدينة ، ودخل فيه قبائل الأوس والخزرج ، ولما صار للمسلمين دار يمتنعون بها ويقاتلون دخل في الإسلام من أهل المدينة وممن حولهم من الأعراب من دخل خوفا وتقية ، وكانوا منافقين .
كما قال تعالى:
"وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ" ( سورة التوبة: 101 )