وذلك أن الفعل إذا حصل معه كمال القدرة عليه ، وكمال الإرادة له وجب وجوده ، وهم في أول الإسلام كان المقتضى لإرادة معاداة الرسول أقوى ، لكثرة أعدائه وقلة أوليائه ، وعدم ظهور دينه وكانت قدرة من يعاديه باليد واللسان حينئذ أقوى ، حتى كان يعاديه آحاد الناس ويباشرون أذاه بالأيدي والألسن . ولما ظهر الإسلام وانتشر ، كان المقتضى للمعاداة أضعف ، والقدرة عليها أضعف . ومن المعلوم أن من ترك المعاداة أولا ، ثم عاداه ثانيا لم يكن إلا لتغير إرادته أو قدرته .
ومعلوم أن القدرة على المعاداة كانت أولًا أقوى ، والموجب لإرادة المعاداة كان أولا أولى ، ولم يتجدد عندهم ما يوجب تغير إرادتهم ولا قدرتهم ، فعلم علما يقينيا أن القوم لم يتجدد عندهم ما يوجب الردة عن دينهم ألبتة ، والذين ارتدوا بعد موته إنما كانوا ممن أسلم بالسيف ، كأصحاب مسيلمة وأهل نجد ، فأما المهاجرون الذين أسلموا طوعا فلم يرتد منهم ـ ولله الحمد ـ أحد ، وأهل مكة لما أسلموا بعد فتحها همَّ طائفة منهم بالردة ، ثم ثبتهم الله بسهيل بن عمرو .
وأهل الطائف لما حاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة ، ثم رأوا ظهور الإسلام ، فأسلموا مغلوبين ، فهموا بالردة ، فثبتهم الله بعثمان بن أبى العاص .
فأما أهل مدينة النبي صلى الله عليه وسلم فإنما أسلموا طوعا ، والمهاجرون منهم والأنصار ، وهم قاتلوا الناس على الإسلام ، ولهذا لم يرتد من أهل المدينة أحد ، بل ضعف غالبهم بموت النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلت أنفسهم عن الجهاد على دينه ، حتى ثبتهم الله وقواهم بأبى بكر الصديق رضي الله عنه ، فعادوا إلى ما كانوا عليه من قوة اليقين ، وجهاد الكافرين ، فالحمد لله الذي من على الإسلام وأهله بصديق الأمة ، الذي أيد الله به دينه في حياة رسوله ، وحفظه به بعد وفاته ، فالله يجزيه عن الإسلام وأهله خير الجزاء . انتهى كلام شيخ الإسلام رضي الله تعالى عنه .
موقع فيصل نور