فهرس الكتاب
قال العيني:"وأما اختلاف العلماء في هذا الباب: فذهب محمد بن كعب القرظي، وسعيد بن يسار المدني، ومالك، إلى إباحة ذلك، واحتجوا في ذلك بما رواه أبو سعيد: أن رجلًا أصاب امرأته في دبرها، فأنكر الناس ذلك عليه، وقالوا أثفرها، فأنزل الله عز وجل: {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} [البقرة: 223] ، وقالوا: معنى الآية: حيث شئتم من القبل والدبر، وقال عياض: تعلق من قال بالتحليل بظاهر الآية، وقال ابن العربي في كتابه «أحكام القرآن» : جوزته طائفة كثيرة، وقد جمع ذلك ابن شعبان في كتابه «جماع النسوان» وأسند جوازه إلى زمرة كبيرة من الصحابة والتابعين وإلى مالك من روايات كثيرة، وقال أبو بكر الجصاص في كتابه «أحكام القرآن» المشهور عن مالك إباحة ذلك، وأصحابه ينفون عنه هذه المقالة لقبحها وشناعتها، وهي عنه أشهر من أن تدفع بنفيهم عنه، وقد روى محمد بن سعدان عن أبي سليمان الجوزجاني قال: كنت عند مالك بن أنس فسئل عن النكاح في الدبر، فضرب بيده على رأسه وقال: الساعة اغتسلت منه. ورواه عنه ابن القاسم: ما أدركت أحدًا أقتدي به في ديني يشك فيه أنه حلال - يعني وطء المرأة في دبرها، ثم قرأ: {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} قال: فأي شيء أبين من هذا، وما أشك فيه".
قلت: كأن الجواز كان منتشرًا عند أهل المدينة اعتمادًا على رواية نافع عن ابن عمر، وقد بينا أنها لا تصح. وأما الاختلاف عن الإمام مالك فالأصح أنه لا يصح عنه.
وأما ما نسبه ابن شعبان إلى زمرة كبيرة من الصحابة والتابعين بتجويزه فربما اعتمد على روايات ضعيفة ومنكرة في ذلك؛ لأنه لا يعلم أي خلاف بين الصحابة في حرمته إلا ما نُقل عن ابن عمر، وكذلك لا يعرف اختلاف بين التابعين والأئمة على حرمته إلا من تبع نافعًا في ذلك ظنًا أنه أحكم الرواية عن ابن عمر.