فهرس الكتاب
وقال ابن العربي في «أحكام القرآن» (3/93) :"قوله تعالى: {أنى شئتم} معناه عند الجمهور من الصحابة والتابعين وأئمة الفتوى: من أي وجه شئتم مقبلة ومدبرة. و {أنى} تجيء سؤالًا وإخبارًا عن أمر له جهات، فهو أعم في اللغة من (كيف) ومن (أين) ومن (متى) ، هذا هو الاستعمال العربي في {أنى} . وقد فسر الناس {أنى} في هذه الآية بهذه الألفاظ. وفسرها سيبوبه بـ (كيف) ومن (أين) باجتماعهما. وذهبت فرقة ممن فسرها بـ (أين) إلى أن الوطء في الدبر مباح، وممن نُسب إليه هذا القول: سعيد بن المسيب ونافع وابن عمر ومحمد بن كعب القرظي وعبدالملك بن الماجشون، وحُكي ذلك عن مالك في كتاب له يسمى (كتاب السر) . وحذاق أصحاب مالك ومشايخهم ينكرون ذلك الكتاب، ومالك أجل من أن يكون له كتاب سر. ووقع هذا القول في العتبية... وقال الكيا الطبري: وروي عن محمد بن كعب القرظي أنه كان لا يرى بذلك بأسًا، ويتأول فيه قول الله عز وجل: {أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ} [ الشعراء:166] ، وقال: فتقديره تتركون مثل ذلك من أزواجكم، ولو لم يبح مثل ذلك من الأزواج لما صح ذلك، وليس المباح من الموضع الآخر مثلا له، حتى يقال: تفعلون ذلك وتتركون مثله من المباح. قال الكيا: وهذا فيه نظر، إذ معناه: وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم مما فيه تسكين شهوتك، ولذة الوقاع حاصلة بهما جميعًا، فيجوز التوبيخ على هذا المعنى. وفي قوله تعالى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} مع قوله: {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ} ما يدل على أن في المأتي اختصاصًا، وأنه مقصور على موضع الولد."